المشاركات

عرض المشاركات من ديسمبر, 2025

بين الحانة و الكلمات

قبل ساعات كنت في الحانة . أشعلت حاسوبي كما لو أنني أشعل نافذة، جلست أمام الشاشة، وقلت لنفسي: الآن سأكتب . لكن الكلمات، كعادتها، حين أشعر أنني بحاجة ماسّة إليها، لم تأتِ . بقيت أحدّق في الفراغ، أحتسي الصمت أكثر مما أحتسي الشراب، وأغلق الحاسوب وكأنني أعتذر له . الآن، بعد ساعات أخرى، أعود إلى المحاولة . ليس لأنني أصبحت أخفّ، بل لأنني أثقل . هناك الكثير من المشاعر تجري بداخلي، تتصادم، تتداخل، ولا تمنحني رفاهية الاختيار . من الصعب أن أحدد أي حزن يستحق أن أضعه أولًا على الورق، وأي وجع يجب أن ينتظر دوره، وكأنني أقف أمام طابور طويل من الانكسارات، وكلها تطالب بأن تُرى . لذلك قررت هذه المرة أن ألعب على رقعة شطرنج الكتابة بطريقة مختلفة . بدل أن أفكر في كل حركة، أحببت أن أمنح قلبي حركة عشوائية، غير محسوبة، أن أتركه يتقدم خطوة أو يتراجع خطوتين، أن يخطئ، أن يتلعثم، أن يكتب كما يشاء، دون أن أوبخه أو أصحح مساره . حاولت كثيرًا، وربما كل يوم، أن أمنح قلبي نبضًا أقرب إلى القطيعة، أن أفصله عما جرى، أن أقنعه بأن الماضي انتهى، لكنني ما زلت متأزمًا من تأثير كل ما مررت به في هذه ...

القلق بوصفه يومًا

  كاد يومي أن ينتهي دون أن أنجح في التمرين الأول الذي قررتُه لنفسي البارحة. كان تمرينًا بسيطًا في شكله، صعبًا في جوهره: أن أقرر، في كل لحظة، ما أحب أن أفعله، ثم أفعله دون تردد، دون التفاف، دون أن أترك القلق يقودني بدلًا مني . لم أنجح . لكن الغريب أنني، رغم هذا الفشل، أشعر أن اليوم لم يكن فارغًا تمامًا. الحياة، بطريقة ما، مشت في اتجاهٍ خفيّ، دفعني الآن، في آخر الليل، إلى الجلوس والكتابة. وأنا أحب هذا: أن أصل إلى الكتابة لا كواجب، بل كملاذ، كأثر جانبي ليومٍ مرتبك . أكتب محاولًا أن أصل إلى مغزى ما، أو على الأقل إلى أثره . لم أنجح في شيء مما خططت له . كنت أريد أن أزور طبيب الأسنان، أن أمارس الرياضة، أن أجري قليلًا وأشعر بجسدي يتحرك، أن أطبخ شيئًا بحب ثم آكله ببطء، وأن أجلس أخيرًا في صمتٍ وأقوم ببعض تمارين التأمل . أشياء بسيطة، عادية، لكنها بدت لي بعيدة، كأن بينها وبيني مسافة لا تُقطع . السبب ليس الكسل فقط . كان هناك قلقٌ يسري في روحي، قلقٌ خفيف لكنه مستمر، لا يصرخ، بل يهمس طوال الوقت، ولا يتركني أستقر. كان من الصعب أن أخرج من هذا القلق بسهولة، أو أن أسمح للسكون أن يدخلني. ك...

محاولة لفهم الهشاشة...

  كنتُ متردّدًا أن أكتب اليوم، لا لأنّ الكلمات خانتني، بل لأنّها ازدحمت في داخلي حتى صارت عبئًا. ومع ذلك كتبت، كأنّ الكتابة فعل اعتراف أخير، أو كأنّها محاولة بطيئة لإنقاذ شيءٍ ما في داخلي لم يمت بعد. الأيام الأخيرة مرّت عليّ متشابهة إلى حدٍّ مخيف، متلاصقة كظلالٍ بلا ملامح، حتى كدتُ أصدّق أنّ الزمن توقّف عند نقطة واحدة، وأنّني عالق داخلها، أكرّر الشعور نفسه، والتعب نفسه، والأسئلة نفسها، دون أن أصل إلى إجابة . شيئًا فشيئًا، بدأتُ أشعر أنّني وصلت إلى قاعٍ لا يشبه القيعان التي نسمع عنها. ليس قاع الفشل الواضح، ولا قاع الانكسار الصاخب، بل قاعٌ صامت، ثقيل، يبتلعك بهدوء. قاع الضعف حين لا يعود للضعف معنى، وحين أعجز عن أن أفهم نفسي بطريقة مختلفة، أقلّ قسوة، أقلّ جلدًا. كأنّني حُبست داخل تفسيرٍ واحد لذاتي، تفسيرٍ لا يرحم، ولا يترك مساحة للتأويل أو الاحتمال . غلبتني مشاعري وأفكاري معًا، فلا أنا استطعت أن أهرب منها، ولا هي تركتني أتنفّس. صرت أرى نفسي مشهدًا مكرّرًا لكل ما حدث البارحة: ما أقلقني لا يزال يقلقني، وكأنّ القلق فقد ذاكرته، يعيد نفسه بلا ملل. ما يخيفني ما زال يخيفني، واقفًا في الم...

قنينة الدار البيضاء وحلم تونس

تونس ضد نيجيريا .  المباراة مستمرة، الكرة تتحرك، الأصوات تتعالى ثم تخفت،  وأنا جالس في مكان دافئ ومحرم،  في قلب شمال المغرب،  كأن الجغرافيا قررت هذه الليلة أن تكون لطيفة معي . الدفء لا يأتي من المكان فقط،  بل من فكرة أن لا أحد يطالبني الآن بأي تفسير .  أحتسي قنينة مكتوب عليها «الدار البيضاء » ،  أقرأ الاسم أكثر مما أحتسي السائل،  كأن الكلمات نفسها تُروى . جسدي هنا،  لكن بالي في الرباط .  مدينة أعرفها دون أن أعرف لماذا تعلّق بها ذهني،  ربما لأنها تشبهني :  هادئة من الخارج،  مثقلة من الداخل،  تحب النظام لكنها لا تنجو من الفوضى . وفي القلب،  حلم صغير،  غير صاخب،  غير متطلب،  حلم أن أزور تونس يومًا ما . أحب تونس،  ليس لأنها بلد آخر فقط،  بل لأنها ارتبطت عندي بتجربة إنسانية صادقة .  علاء الدين، صديقي العزيز من صفاقس،  لم يكن مجرد شخص تعرّفت عليه،  كان مرآة مؤقتة لنفسي . معه تعلمت كيف تُبنى الفرص عبر الإنترنت،  لكنني في الحقيقة تعلمت أشياء أعمق : كيف يكون الذكاء أ...

حين لا تكون حياتي اختياري

  لا أستطيع أن أقف أمام حياتي وأقول: هذا أنا، وهذا ما صنعت . ليس لأنني أتنصّل، بل لأن ما عشته لم يكن يومًا طريقًا اخترته وحدي . كان دائمًا تقاطعًا حادًا بين ما ينبع من داخلي وما يُفرَض عليّ من الخارج، بين حدسٍ يهمس، وقوى لا تهمس أبدًا، بل تدفع وتُسكت وتُعيد التشكيل .   أعيش في حالة شدّ مستمر، كأنني ساحة صراع لا تُعلَن فيها الحروب رسميًا، لكن آثارها لا تتوقف . أحيانًا أمشي ضد ما أشعر أنه حقيقتي، لا عن جهل، بل عن إرهاق . عن تعبٍ من الإصغاء إلى القلب حين يكون صوته أضعف من ضجيج العالم .   كثيرًا ما أفعل ما لا يشبهني، وأبرر ذلك باسم الحكمة، أو باسم التوازن، أو باسم “هكذا يجب أن نكون ”. لكن في داخلي أعرف أن الأمر أبسط وأقسى : أنا أتنازل، وأحيانًا أتنازل كثيرًا .   اليوم، وأنا جالس في حانة، لا أبحث عن معنى عميق ولا عن خلاص فوري . أكتب فقط لأُخفّف الحمل، لأضع نفسي في مساحة لا يحاسبني فيها المكان، ولا يطاردني فيها الزمن . أكتب لأن الكتابة هي الشيء الوحيد الذي يسمح لي بأن أكون غير مرتب، غير مكتمل، غير قابل للتصنيف . ...

ما قبل العبور

  لم يكن الأمر عاديًا، ولا يمكن اختزاله في لحظة عابرة أو تجاهله كحادثة بلا أثر. لم يكن شيئًا أستطيع إنكاره، ولا دفنه في النسيان ثم البدء بيوم جديد، كما لو أن شيئًا لم يحدث. كان لا بدّ أن أتحدث عن هذه التجربة، أو على الأقل أن أكتبها، كأن الكتابة وحدها قادرة على تثبيت ما يتفلّت من الذاكرة، أو منح شكلٍ لما لا شكل له . لم أنم بسهولة ليلة البارحة. والحقيقة أنني، وأنا أستعيد اليوم السابق، لا أستطيع أن أتذكره بوضوح. الأيام تتشابه إلى حدّ الامّحاء، تتكرر حتى تفقد أسماءها. ومع ذلك، إن أردت أن أكون صادقًا، يمكنني وصفها بدقة، لأنني أعيشها كل يوم تقريبًا بالطريقة نفسها . أستيقظ عند الثامنة صباحًا. أبدأ بطقوسي المعتادة: أغتسل، أنظف أسناني، أمشط شعري، ثم أختار بعناية شيئًا جميلًا من ملابسي. أحب هذا الطقس الصباحي، يمنحني شعورًا مؤقتًا بالانتظام، وكأنني أستعيد توازني قبل أن أواجه الوقت. أُعدّ قهوتي، أشعل هاتفي، أرتشفها ببطء، أرسل بعض الرسائل الإلكترونية، وأقضي ساعتين أو ثلاثًا في هذا الإيقاع الهادئ . لكن ما إن ينقضي هذا الوقت، حتى يبدأ ذهني في التشتت. أستمع إلى الموسيقى، أدخن، وأشعر بأن أفكا...

ما أعرف أنه يضرّني ولا أتركه

صورة
  أتعجب، لا بدهشة العابرين، بل بدهشة من يستيقظ كل يوم ليجد نفسه في المكان ذاته، كأن الزمن يمضي من حوله لا فيه . تمرّ الأيام، تتراكم، تتشابه، وأنا ما زلت عاجزًا عن تغيير ما يؤذيني، أو ربما عاجزًا عن مواجهة ما لا أملك القدرة على تغييره في داخلي . ذلك الداخل المكتظ بعادات أعرف، معرفة موجعة، أنها ليست لي، وأنها لا تشبهني، وأن فيها شرًا خفيًا لروحي، ومع ذلك أتركها تنمو، كأنني أُؤجل خلاصًا لا أعرف كيف أبدأه . أنا لست استثناءً، ولا أدّعي عمقًا فوق البشر . أنا مجرد شخص بسيط، لكن بساطة محمّلة بأسئلة ثقيلة . كبرت داخل ثقافة محددة، داخل بيت كان يشبه العالم كله، بجانب أبي، حيث كانت الحياة أقل تعقيدًا، أو هكذا كنت أراها . أصوات الجيران كانت تتشابه، الضحكات كانت صافية، والوقت لم يكن عدوًا . لم أكن أعلم أن الذاكرة ستتحول يومًا إلى مكان ألوذ به هربًا من حاضر لا أفهمه . لم يخطر ببالي، ولو للحظة، أنني سأقف في مواجهة غرابة لا تشبه أي شيء عرفته من قبل . غرابة لا تأتي من حدثٍ صادم، ولا من فقدٍ واضح، بل من إحساس بطيء، زاحف، بأنني أعيش حياة لا أعرف سببها الكامل . أنني موجود، نعم، لكنني لا أفهم...