آخر ما نشر كارل!

إلى الغد بقلب متعب

سقطت الأقنعة يا حكيم، فكفى من الاختباء خلف الكلمات، وكفى من قول: أنا بخير حين تعرف أنك لست كذلك . أنت حزين، وفي صدرك ليلٌ طال أكثر مما ينبغي، والناس تمرّ بقربك ولا ترى كل هذا الضجيج في داخلك . تبتسم أحيانًا، تتكلم، تمضي بين الوجوه كأن شيئًا لم يحدث، ثم تعود إلى وحدتك فتسقط منك كل الحيل . وماذا بعد يا حكيم؟ ستبقى تحرس بابًا تعرف أن أحدًا لن يطرقه؟ ستعيد الحكاية كل ليلة علّ نهايتها تتغير؟ يا عزيزي، بعض النهايات لا تتغير . من رحل، رحل، وما انكسر لن يعود دائمًا كما كان . ونورة لن تعود . قلها هذه المرة دون أن تهرب منها، دون أن تبحث في الذكريات عن طريق يعيدك إليها . نورة لن تعود، لكن هذا لا يعني أن عليك أن ترحل معها . اترك لها مكانها في قلبك، لا تمحها، ولا تجعلها كل القلب . فالذكريات جميلة أحيانًا، لكنها بيت لا يصلح للسكن إلى الأبد . لقد أحببت، وخسرت، وتألمت بما يكفي لتعرف أن بعض الأشياء لا ينقذها الانتظار . فابكِ إن احتجت، لكن لا تجعل الدموع وطنًا . واحزن، لكن لا تجعل الحزن اسمك . لقد مضى ما مضى يا حكيم، ولا يطلب منك الغد أن تنسى، ب...

وطنٌ يكتبكِ في الغياب

 نورة...هل تعلمين لماذا لازلت أكتب في حبي لك؟ لأنني حين أمسِك القلم أشعر أنني أمسك بيدك، ولو للحظة. الكلمات هي الجسر الأخير بيني وبينك، الجسر الذي لا يمكن أن تهدمه المسافات ولا أن تمحوه الخيانات الصغيرة التي تصنعها الحياة. لم أنكسر، لا في حبي لك، ولا في قدرتي على أن أُحوِّل وجعي إلى جُمل، وأن أجعل من فقدك حضورًا أبديًا.

في اليوم الأول الذي رأيتك فيه، كان في داخلي يقين غريب: أنني إن أحببتك، فلن أسمح للخيانة أن تمس هذا الحب، حتى لو تركتني أنت، حتى لو دفعتني الحياة إلى هاوية الوحدة. كنتُ أعرف أن في داخلي ما يكفي من العناد لأبقى مخلصًا لصورة عينيك، حتى لو غيّبتني عنك الأيام.

ربما كنتِ أذكى مني، ربما وجدتِ لنفسك حياة تبدو أكثر راحة، أكثر عملية، حياة فيها شيء من الأمان الذي لم أستطع أن أمنحك إياه. لكنك يا نورة، ستبقين دائمًا خاسرة أمام نصوصي؛ لأن النص أقوى من النسيان، ولأن الكلمة تعرف كيف تُعيد ما محته الأيام. كل جملة أكتبها عنك هي علم يرفرف فوق أرضك، أرضٍ هجرتِها، لكنها لم تهجرك أبدًا.

حبي لك لا يُمكن أن يُفهم بعقلية عصرية تحوِّل العلاقات إلى محطات، والناس إلى مراحل، والذكريات إلى ألبومات تُحفظ وتُغلق. أنتِ كبرتِ في زمنٍ يُعلِّم الفتاة أن النسيان سهل، أن التعويض ممكن، أن الرجل صفحة يمكن طيّها متى شاءت. لكني لستُ صفحة، يا نورة، ولا أنتِ كتاب عابر في حياتي. أنتِ كينونة امتزجت بروحي حتى صار استئصالك ضربًا من المحال.

إنني أحبك حبًا يتجاوزك ويعود إليك، حبًا يمدّ جذوره في ما وراء المنطق والفلسفة. إنه حب يشبه الصلاة، يشبه التلاوة التي تُقال بصدقٍ حتى لو لم يسمعها أحد. أنا لا أكتبك لأقنعك، ولا لأسترجعك، بل لأخلِّد وفائي أمام نفسي أولًا.

كل ما تكتبينه أنت في حياتك الجديدة، كل نجاح، كل ابتسامة، كل غياب، سيبقى بالنسبة لي فصلًا في رواية لم أنتهِ من قراءتها بعد. أما أنا، فأكتبك كما يكتب التاريخ أمجاده: ليس ليغيّر الماضي، بل ليجعله خالدًا.

هذه الكلمات ربما لن تقرئيها، وربما تضيع في أرشيف الصمت الأبدي، لكنها تبقى شاهدة على أنني لم أكن رجلًا عابرًا، لم أكن عابثًا، بل كنت رجلًا عاشقًا يُجيد أن يظل وفيًا حتى لو صار الوفاء خنجرًا في خاصرته.

أكتبك لأنني، ببساطة، لا أعرف أن أعيش دون أن أكتبك.

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى