آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

حوار مع وردة وحيدة

 تعالي أيتها الزهرة التي نبتت من قلب التراب، وسقتها الأمطار، ودفأتها الشمس، واحتضنتها الفراشات والنحل. لقد صرتِ شاهدة على معنى العطاء، على أن الحياة لا تُختزل في الأخذ بل في المنح، في الامتداد نحو الآخر دون حساب.

أنا إنسان يا وردة، أعيش بين الناس، لكنني كثيرًا ما أشعر أنني غريب بينهم. أعطي ابتسامتي في الطرقات كي لا يثقل الحزن وجوههم، أُصغي لآلامهم كي يخفّ عنهم الحمل، أفتح لهم قلبي كي يجدوا فيه مأوى. لكن حين ينتهي الليل، أجدني وحدي، متعبًا، يلفّني الصمت. أكتشف أنني نسيت أن أُصغي لنفسي، أن أداوي جرحي، أن أبحث عمّن يمنحني أنا أيضًا كلمة حنان.

هل يمكن للإنسان أن يكون وردة؟ أن يعيش جماله رغم القسوة، أن يظل معطّرًا رغم الغبار؟ أحيانًا أشعر أنني وردة ذابلة في يد من لا يعرف قيمتها، وأحيانًا أرى نفسي كزهرة وحيدة تنمو في حافة الطريق، يمرّ بها الناس دون التفات، لكنها مع ذلك تواصل التفتّح لأنها لا تعرف غير العطاء.

لقد سئمت أن أذوب في كل مرة أعطي فيها. العطاء جميل، لكن لماذا يجعلني هشًّا؟ لماذا يسكنني حزنٌ عميق كلما منحت جزءًا من روحي؟ أليس من حقي أن أبقى حيًّا وأنا أعطي؟ أن أضحك بصدق، لا ضحكة مكسورة؟ أن أجد في العطاء حياةً لي لا موتًا بطيئًا؟

أيتها الزهرة، علّميني كيف تبقين واقفة أمام الرياح، كيف تمنحين عطرك حتى حين يقترب الشتاء ويهددك الذبول. علّميني أن العطاء ليس أن أموت لأجل الآخرين، بل أن أعيش معهم ومن أجلهم. علّميني أن أجد توازنًا بين أن أبسط يديّ للكل، وبين أن أحتفظ لنفسي بقليل من الدفء.

إنني إنسان، ولستُ نهرًا لا ينضب. عندي حدود وجراح وأحلام صغيرة تتكسّر أحيانًا. أريد أن أبقى إنسانًا يعرف معنى أن يفرح، أن يخطئ، أن ينهض من جديد. أريد أن يكون عطائي امتدادًا للحياة، لا إعلانًا عن موتٍ بطيء.

فهل يمكن للإنسان أن يتعلم منك أن العطاء لا يعني الفناء؟ هل يمكن أن يظل قلبه مفتوحًا كالأرض، لكنه في الوقت نفسه يعرف كيف يحمي جذوره من الجفاف؟ يا زهرة، يا مرآة القلب، يا معلمة الصبر والاحتمال، أخبريني: كيف أحيا بالحب والعطاء معًا، دون أن أذوب في حزني ووحدتي؟

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")