آخر ما نشر كارل!

لست متأكدا إن كنت أنا

  أشعر أحيانا أن حياتي كلها تتحرك بطريقة غريبة لا أفهمها تماما، كأنني كلما اقتربت من شيء حقيقي بداخلي، من ذلك المكان العاري الذي أخاف النظر إليه مباشرة، تبدأ الأشياء كلها بالتغيّر فجأة، وكأنني أصل دائما إلى شخص آخر يسكنني منذ سنوات طويلة، شخص لا يريد من هذه الحياة سوى أن يتبع رغباته بلا نهاية، أن يهرب من نفسه بأي طريقة ممكنة، أن يمارس الجنس مع فتاة جميلة فقط ليشعر للحظات أنه ما زال حيا، أو يشرب الجعة حتى يفقد ذلك الصوت الداخلي الذي لا يتوقف عن الكلام، أو يدخن حشيشة وراء أخرى، أو يجرّب أي شيء قادر على أن يطفئ هذا التعب الثقيل الذي يسكن قلبه. وأحيانا أنظر إليه بخوف حقيقي، لأنني لا أعرف إن كان هذا الشخص هو أنا فعلا، أم مجرد شبح نفسي تكوّن داخلي عبر السنوات، من الخيبات الصغيرة، من الوحدة، من الرغبات التي لم أفهمها، من أشياء كثيرة تراكمت بصمت حتى أصبحت جزءا مني دون أن أشعر. أجلس أحيانا أتأمله وكأنه شخص منفصل عني تماما، أراقبه وهو يأخذ كل انتباهي، يلتهم أيامي، يجعل الأشياء التي كانت مهمة بالنسبة لي تبدو بعيدة وفارغة. حتى أحلامي القديمة، تلك الأشياء التي كنت أؤمن بها بصدق، صارت تبدو كأن...

حوار مع وردة وحيدة

 تعالي أيتها الزهرة التي نبتت من قلب التراب، وسقتها الأمطار، ودفأتها الشمس، واحتضنتها الفراشات والنحل. لقد صرتِ شاهدة على معنى العطاء، على أن الحياة لا تُختزل في الأخذ بل في المنح، في الامتداد نحو الآخر دون حساب.

أنا إنسان يا وردة، أعيش بين الناس، لكنني كثيرًا ما أشعر أنني غريب بينهم. أعطي ابتسامتي في الطرقات كي لا يثقل الحزن وجوههم، أُصغي لآلامهم كي يخفّ عنهم الحمل، أفتح لهم قلبي كي يجدوا فيه مأوى. لكن حين ينتهي الليل، أجدني وحدي، متعبًا، يلفّني الصمت. أكتشف أنني نسيت أن أُصغي لنفسي، أن أداوي جرحي، أن أبحث عمّن يمنحني أنا أيضًا كلمة حنان.

هل يمكن للإنسان أن يكون وردة؟ أن يعيش جماله رغم القسوة، أن يظل معطّرًا رغم الغبار؟ أحيانًا أشعر أنني وردة ذابلة في يد من لا يعرف قيمتها، وأحيانًا أرى نفسي كزهرة وحيدة تنمو في حافة الطريق، يمرّ بها الناس دون التفات، لكنها مع ذلك تواصل التفتّح لأنها لا تعرف غير العطاء.

لقد سئمت أن أذوب في كل مرة أعطي فيها. العطاء جميل، لكن لماذا يجعلني هشًّا؟ لماذا يسكنني حزنٌ عميق كلما منحت جزءًا من روحي؟ أليس من حقي أن أبقى حيًّا وأنا أعطي؟ أن أضحك بصدق، لا ضحكة مكسورة؟ أن أجد في العطاء حياةً لي لا موتًا بطيئًا؟

أيتها الزهرة، علّميني كيف تبقين واقفة أمام الرياح، كيف تمنحين عطرك حتى حين يقترب الشتاء ويهددك الذبول. علّميني أن العطاء ليس أن أموت لأجل الآخرين، بل أن أعيش معهم ومن أجلهم. علّميني أن أجد توازنًا بين أن أبسط يديّ للكل، وبين أن أحتفظ لنفسي بقليل من الدفء.

إنني إنسان، ولستُ نهرًا لا ينضب. عندي حدود وجراح وأحلام صغيرة تتكسّر أحيانًا. أريد أن أبقى إنسانًا يعرف معنى أن يفرح، أن يخطئ، أن ينهض من جديد. أريد أن يكون عطائي امتدادًا للحياة، لا إعلانًا عن موتٍ بطيء.

فهل يمكن للإنسان أن يتعلم منك أن العطاء لا يعني الفناء؟ هل يمكن أن يظل قلبه مفتوحًا كالأرض، لكنه في الوقت نفسه يعرف كيف يحمي جذوره من الجفاف؟ يا زهرة، يا مرآة القلب، يا معلمة الصبر والاحتمال، أخبريني: كيف أحيا بالحب والعطاء معًا، دون أن أذوب في حزني ووحدتي؟

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")