آخر ما نشر كارل!

أنا أيضا من العابرين

  بجانبي الكثير من المرايا، وحينما أحاول أن أتجاهلها لا أرى إلا انعكاسًا لظلّي. أشيح بوجهي عنها، فأجدني في زجاج النافذة، وفي ماء البحر، وفي عيون الذين مرّوا بي، وفي الأشياء التي ظننت أنني تركتها خلفي. أحاول أن أنسى أنني انعكاسٌ لكل شيء، لكل مدينة عبرتُها، لكل باب أغلقته، لكل يدٍ صافحتها ثم غابت، لكل طريق قلت عنه: لن أعود. وأعود. أخاف أن أتقبّل الأمر، أن أتقبّل أن شيئًا مني ليس لي وحدي، وأن وجهي يحمل وجوهًا كثيرة، وأن صوتي ربما ما زال يحتفظ بأصوات الذين أحببتهم، وأنني، في النهاية، مجرد سطور كتبتها مياه البحر ثم تركتها على الرمل ومضت. ولا أعرف إن كان البحر قد كتبني أم محاني. بجانبي الكثير من الذكريات، وحينما أحاول أن أنساها تأتي الأسماء. أسماء كثيرة تواجهني، تناديني كما لو أنني ما زلت هناك، كما لو أن السنوات لم تمرّ. أسماءٌ كنت أقولها كل يوم، وأسماءٌ لم أعد أجرؤ على قولها، وأسماءٌ نسيت أصوات أصحابها لكنني لم أنسَ كيف كنت أشعر حين ينادونني باسمي. ثم تأتي الأماكن. أماكن كثيرة، بصخبها، بأبوابها، بشوارعها الطويلة، تستفزني. مدينةٌ تركتُ فيها نافذة، مدينةٌ تركتُ فيها صديقًا، مدينةٌ تركتُ ف...

حواريات مارتن و كارل: ربيع القلوب الممزقة

 في فندق شالة، حيث الأشجار تنحني كأنها تستمع إلى موسيقى الليل، جلس كارل وحيدًا بين الضجيج، يشرب من كأسه رشفة صامتة، وكأنها رشفة من فكر قديم. يدخل مارتن بخطوات مترددة، يبحث بعينيه بين الطاولات. لمّا رآه، ابتسم في سره، وتقدم نحوه.

مارتن (ساخرًا وهو يسحب الكرسي):

كارل، ما زلتَ صديقًا للوحدة؟

يبدو أنك تفضل كأسك على صحبة البشر.

كارل (بابتسامة مائلة):

الوحدة أصدق الصحاب يا مارتن، فهي لا تطلب مني أن أضحك حين لا أريد، ولا تلوم قلبي إذا لم يعرف الفرح.

مارتن (يهز رأسه):

تتحدث كما لو أن الحب لم يطرق بابك قط. ألم يقولوا إن السعادة هي ابنة الحب؟

كارل (ضاحكًا بمرارة):

الحب يا مارتن؟ إنه ضيف ثقيل يأتي بلا موعد، يملأ بيتك بالوعود، ثم يرحل تاركًا وراءه صحونًا مكسورة وذكريات لا تصلح إلا للكتابة.

أما السعادة… فهي جارة صامتة، تبتسم لك من النافذة حين لا تنتبه.

مارتن (ساخرًا):

إذن أنت لا تؤمن بالحب؟ غريب! كل الفلاسفة تظاهروا أنهم يفهمونه، وكل الشعراء جعلوا منه قوت يومهم.

كارل (بهدوء أقرب إلى الاعتراف):

أنا لا أنكر الحب، بل أضحك منه.

الحب يَعِدُنا أن نصير اثنين في قلب واحد، لكنه غالبًا ما يتركنا نصفين مكسورين.

أما السعادة، فهي ليست في ضم الآخر إلى صدرك، بل في أن يكون صدرك واسعًا بما يكفي ليتسع للعالم، حتى حين يفرّ الآخر. 

مارتن (يضحك بقهقهة قصيرة):

أنت تشبه الكهنة الذين يعظون بترك الدنيا، ثم يختلسون النظر إلى جمالها!

ألا ترى عاشقًا يرقص الليلة هناك؟ ألا ترى ضحكاتهم التي تملأ المكان؟ أيّ سعادة أوضح من هذا؟

كارل (بابتسامة ساخرة، يشير إلى الراقصين):

أجل، يرقصون اليوم… لكن انتظر حتى يصمت ذلك الذي يلعب بقيتارته على المنصة... ويغادر النادل.

حينها سيتساءلون: هل كنت أضحك لأنني سعيد، أم كنت أضحك لأهرب من حزني؟

يا مارتن، الناس يرقصون على موسيقى خوفهم أكثر مما يرقصون على موسيقى الفرح.

مارتن (يميل بجسده إلى الأمام):

إذن أين تجد أنت السعادة يا كارل؟

ألا تحنّ إلى قلب يضمك، ويد تُمسك يدك حين تذوب الطرقات في العتمة؟

كارل (متأملًا، بنبرة جبرانية):

أحنّ يا صديقي… لكنني تعلمت أن اليد التي أبحث عنها ليست يد امرأة ولا رجل.

إنها يد الحياة نفسها حين تتركني أكون ما أنا عليه بلا قناع.

الحب جميل، لكنه ليس خلاصنا. السعادة ليست في أن نجد من يكملنا، بل أن ندرك أننا لسنا ناقصين.

مارتن (ساخرًا وهو يرفع كأسه):

إذن، يا فيلسوف الليل، تريد أن تقنعني أن الحب كذبة، وأن السعادة لا تحتاج عاشقًا؟

كارل (بهدوء، وهو يرفع كأسه أيضًا):

لا يا مارتن، الحب ليس كذبة… إنه قصيدة قصيرة يكتبها القلب في لحظة جنون.

لكن السعادة… السعادة هي أن تعرف كيف تقرأ القصيدة، حتى بعد أن تنتهي.

يسود صمت قصير، والموسيقى تتعالى من منصة شالة، فيما يضحك مارتن بخفة وكأنما استسلم لمرارة صديقه، ثم يشربان نخبًا في حضرة الليل.

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")