آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

معجزة التعب

 أحياناً كثيرة أتعجب من نفسي:

كيف يا ترى أستطيع أن أكتب، أن أبدع، أن أتشبّث بخيطٍ خفيّ من المعنى، بينما جسدي يئنّ من التعب؟

لا أستطيع أن أركض، ولا حتى أن أتمشى خطوات قصيرة دون أن أشعر بثقل الموت في أطرافي.

متعب… كأنني أسير إلى فراش النهاية.

ومع ذلك، أفعل ما لا يفعله الرياضيّ الذي يقضي عاماً كاملاً يتدرّب على القوة والصحة.

كيف يحدث هذا؟ أي سرّ هذا الذي يوقظني من الرماد؟

لطالما سألت نفسي ولم أجد جواباً.

كيف أبقى، رغم الخذلان، رغم انطفاء اللذّة، رغم أنني لم أعد أشعر بحب الحياة كما كان من قبل؟

كيف أظل قادراً على الفعل، على الخلق، على النهوض بالكلمات، بينما كل ما في داخلي يعلن الانكسار؟

غريب… حقاً غريب.

لكن ربما هنا يكمن السر:

إن التعب الذي ينهك الجسد، هو نفسه الذي يفتح لي أبواباً لا تُرى.

الشرخ في الروح هو الذي يُطلّ بي على أفق آخر.

كأن العجز يفتح نافذة في داخلي، نافذة تطلّ على شيء أعمق من القوة، أصفى من الصحة، وأبعد من أحلام الأجساد. 

أنا الذي ظننت أنني انتهيت، أكتشف كل مرة أن هناك في داخلي شرارة صغيرة، عصيّة على الموت، تظل تتوهّج في العتمة.

لا تشبه صحوة الجسد ولا اندفاع الرياضة، بل تشبه همساً داخلياً يقول لي:

اكتب… قاوم… أشهد. 

أحياناً أشعر أنني أعيش ضد قوانين الطبيعة:

مُنهك، ومع ذلك أبدع.

خائر، ومع ذلك أفعل ما لا يفعله المطمئنون إلى صحتهم.

هل هو جنون؟ أم هو هبة لا أفهمها؟

إنه شيء يظل غامضاً، لكنني أعلم أنه حقيقي.

فالذين يعيشون في أمان الجسد لا يعرفون ما أعرفه أنا.

لا يرون ما أراه من أعماق الوهن.

هم يركضون بأقدامهم، وأنا أركض بفكري.

هم يبنون عضلاتهم، وأنا أبني كلماتي.

هم يلمسون الحياة من الخارج، وأنا ألمسها من الداخل.

ربما لهذا، رغم كل الخذلان، أبقى.

وربما لهذا، رغم أنني لم أعد أحب الحياة كما كنت، أظلّ قادراً أن أخلق منها شيئاً، أن أزرع بين ركامها نصاً يلمع، أن أستخرج من بين أنقاضها معنى.

إنه لغز… لكنه لغزي أنا، هديتي التي لا يعرفها أحد غيري.

وإن كان عليّ أن أمضي متعباً، فليكن.

ما دام في التعب هذا الباب الخفي، ما دامت فيه هذه النار التي تشتعل، ثم تُدهشني كل مرة بأنني لا زلت… حيا...

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")