آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

حواريات مارتن و كارل: مؤتمر الطاولات الصغيرة

مقهى صغير في زاوية شارع مزدحم.

أصوات أبواق السيارات في الخارج، مروحة سقف تدور بكسل، وجرائد معلقة على الحائط عناوينها عن "مؤتمرات السلام" و"الأوضاع المتوترة".

كارل يجلس على طاولة صغيرة، يحتسي قهوته السوداء، بينما مارتن يدخل حاملاً جريدة.

مارتن (يرمي الجريدة على الطاولة):

سمعتَ الخبر؟ مؤتمر جديد للسلام الأسبوع المقبل.

كارل (بدون أن يرفع رأسه):

رائع… سنضيف صورة جديدة لألبوم "السلام" الذي لم نره أبداً.

مارتن:

لكن هذه المرة جادّون! حضرته عشر دول، ووقّعوا وثيقة مشتركة.

كارل (ساخراً):

أكيد… مثل وثيقة الجار الذي يبتسم لك في الصباح، ويقطع عنك الماء في المساء.

مارتن:

أنت متشائم. على الأقل هم يحاولون.

كارل:

يحاولون ماذا؟ تثبيت الحدود أم تغيير شكل الخريطة؟ كلما قالوا "سلام" أحضروا خريطة جديدة وألواناً لتحديد خطوط الفصل.

مارتن:

لكن الناس تريد السلام.

كارل:

الناس يا مارتن تريد السلام مثلما يريد المدخّن الإقلاع عن التدخين… يشتري علبة جديدة وهو يردد: "هذه آخر واحدة".

مارتن (يضحك):

أنت تظلمهم. كل إنسان لو جلست معه وحده وقال لك إنه يبحث عن السلام، فهو صادق.

كارل:

صادق، نعم… لكنه يبحث عنه بالطريقة الخاطئة. مثل رجل يبحث عن الماء وهو يحمل غربالاً.

مارتن:

ربما المشكلة أن السلام مكلف.

كارل:

الحرب أغلى يا مارتن، لكنها مربحة لبعض الجيوب. السلام مثل الشاي في هذا المقهى: رخيص، لكن صاحبه لا يقدّمه إلا إذا طلبته عشر مرات وألححت.

مارتن (متأملاً الشارع):

غريب… نحن نحتفل ببداية أي حرب كأنها بطولة، لكننا نمر على نهاية أي حرب وكأنها خبر الطقس.

كارل:

بالطبع… لأن الحرب تعطينا أبطالاً نرفع صورهم، أما السلام فيعطينا مرايا نرى فيها وجوهنا الحقيقية، ولا أحد يحب أن يراها.

صمت قصير، يسمع فيه صوت بائع متجول ينادي على بضاعته في الخارج

مارتن (مبتسماً بمرارة):

كارل، لو وُضع السلام على الرف مثل أي سلعة، هل سيشتريه الناس؟

كارل:

سيشترونه… لكنهم سيضعونه في خزانتهم، ويستخرجونه فقط للزينة أمام الضيوف.

تغلق الستارة على مشهد كارل يرش السكر في قهوته وكأنه يعدّ جرعة سلام شخصية.

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")