آخر ما نشر كارل!

أنا أيضا من العابرين

  بجانبي الكثير من المرايا، وحينما أحاول أن أتجاهلها لا أرى إلا انعكاسًا لظلّي. أشيح بوجهي عنها، فأجدني في زجاج النافذة، وفي ماء البحر، وفي عيون الذين مرّوا بي، وفي الأشياء التي ظننت أنني تركتها خلفي. أحاول أن أنسى أنني انعكاسٌ لكل شيء، لكل مدينة عبرتُها، لكل باب أغلقته، لكل يدٍ صافحتها ثم غابت، لكل طريق قلت عنه: لن أعود. وأعود. أخاف أن أتقبّل الأمر، أن أتقبّل أن شيئًا مني ليس لي وحدي، وأن وجهي يحمل وجوهًا كثيرة، وأن صوتي ربما ما زال يحتفظ بأصوات الذين أحببتهم، وأنني، في النهاية، مجرد سطور كتبتها مياه البحر ثم تركتها على الرمل ومضت. ولا أعرف إن كان البحر قد كتبني أم محاني. بجانبي الكثير من الذكريات، وحينما أحاول أن أنساها تأتي الأسماء. أسماء كثيرة تواجهني، تناديني كما لو أنني ما زلت هناك، كما لو أن السنوات لم تمرّ. أسماءٌ كنت أقولها كل يوم، وأسماءٌ لم أعد أجرؤ على قولها، وأسماءٌ نسيت أصوات أصحابها لكنني لم أنسَ كيف كنت أشعر حين ينادونني باسمي. ثم تأتي الأماكن. أماكن كثيرة، بصخبها، بأبوابها، بشوارعها الطويلة، تستفزني. مدينةٌ تركتُ فيها نافذة، مدينةٌ تركتُ فيها صديقًا، مدينةٌ تركتُ ف...

حواريات مارتن و كارل: مؤتمر الطاولات الصغيرة

مقهى صغير في زاوية شارع مزدحم.

أصوات أبواق السيارات في الخارج، مروحة سقف تدور بكسل، وجرائد معلقة على الحائط عناوينها عن "مؤتمرات السلام" و"الأوضاع المتوترة".

كارل يجلس على طاولة صغيرة، يحتسي قهوته السوداء، بينما مارتن يدخل حاملاً جريدة.

مارتن (يرمي الجريدة على الطاولة):

سمعتَ الخبر؟ مؤتمر جديد للسلام الأسبوع المقبل.

كارل (بدون أن يرفع رأسه):

رائع… سنضيف صورة جديدة لألبوم "السلام" الذي لم نره أبداً.

مارتن:

لكن هذه المرة جادّون! حضرته عشر دول، ووقّعوا وثيقة مشتركة.

كارل (ساخراً):

أكيد… مثل وثيقة الجار الذي يبتسم لك في الصباح، ويقطع عنك الماء في المساء.

مارتن:

أنت متشائم. على الأقل هم يحاولون.

كارل:

يحاولون ماذا؟ تثبيت الحدود أم تغيير شكل الخريطة؟ كلما قالوا "سلام" أحضروا خريطة جديدة وألواناً لتحديد خطوط الفصل.

مارتن:

لكن الناس تريد السلام.

كارل:

الناس يا مارتن تريد السلام مثلما يريد المدخّن الإقلاع عن التدخين… يشتري علبة جديدة وهو يردد: "هذه آخر واحدة".

مارتن (يضحك):

أنت تظلمهم. كل إنسان لو جلست معه وحده وقال لك إنه يبحث عن السلام، فهو صادق.

كارل:

صادق، نعم… لكنه يبحث عنه بالطريقة الخاطئة. مثل رجل يبحث عن الماء وهو يحمل غربالاً.

مارتن:

ربما المشكلة أن السلام مكلف.

كارل:

الحرب أغلى يا مارتن، لكنها مربحة لبعض الجيوب. السلام مثل الشاي في هذا المقهى: رخيص، لكن صاحبه لا يقدّمه إلا إذا طلبته عشر مرات وألححت.

مارتن (متأملاً الشارع):

غريب… نحن نحتفل ببداية أي حرب كأنها بطولة، لكننا نمر على نهاية أي حرب وكأنها خبر الطقس.

كارل:

بالطبع… لأن الحرب تعطينا أبطالاً نرفع صورهم، أما السلام فيعطينا مرايا نرى فيها وجوهنا الحقيقية، ولا أحد يحب أن يراها.

صمت قصير، يسمع فيه صوت بائع متجول ينادي على بضاعته في الخارج

مارتن (مبتسماً بمرارة):

كارل، لو وُضع السلام على الرف مثل أي سلعة، هل سيشتريه الناس؟

كارل:

سيشترونه… لكنهم سيضعونه في خزانتهم، ويستخرجونه فقط للزينة أمام الضيوف.

تغلق الستارة على مشهد كارل يرش السكر في قهوته وكأنه يعدّ جرعة سلام شخصية.

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")