آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

ابنة الضوء

 يا حبيبتي، إنني لم أحبك كما يحب الناس، لم أتعلق باسمك ولا بوجهك، لم أتتبع جسدك كما يتتبع العاشقون أجساد من يهوون، بل أحببت فيك ما لا يُرى بالعين ولا يُمسّ باليد: روحك التي تضيء عتمتي، ابتسامتك التي تصحّح اعوجاج يومي، نظرتك التي تفتح نافذةً على سكينة الكون. أحببتك لأنك كنتِ انعكاسي، ولأنك كنتِ سرّي الذي لم أبح به حتى لنفسي.

ولست أخشى الوحدة، فقد عرفتُها وجعلتها رفيقتي، كما عرفتُ الدموع فجعلتها مطهّري، وكما عرفتُ الألم فجعلته خبزي اليومي. الوحدة لا ترعبني، والفقد لا يطفئني، إنما الذي يزلزلني هو أن أستيقظ يوماً فأدرك أنني لم أحبك أنت، بل أحببتُ وهماً صنعته أوهامي، وأنك لم تكوني إلا صورةً لمخيّلتي، طيفاً نقيّاً منقوشاً على دخان، وما كان بيني وبينك ليس حباً بل حلمَ عاشقٍ وحيد.

ولكن حتى لو كان حلماً، حتى لو كنتِ وهماً، فالحب الذي عشته معك هو الحقيقة الوحيدة التي تبرّر حياتي. وإنني لا أخاف أن تصبحي لرجل آخر، ولا أن يتدلى من إصبعك خاتم غريب، فما يتبدّل على الأرض لا يمسّ ما ارتفع في السماء. الجسد يرحل، والاسم يُنسى، والصورة تبهت، لكن الحب حين يولد في الروح يبقى خالداً، لا تقوى عليه خيانة ولا تغييب.

لقد صار الفقد عندي شكلاً من أشكال الحب، وصار الألم طريقاً إلى الفهم. وما كان خذلانك خيانة، بل كان مرآةً كشفت لي أن الحب ليس امتلاكاً، ولا غلبةً، ولا نصراً، بل انكسارٌ بهيّ يعلّم الروح كيف تكون حرة.

يا حبيبتي، إن العالم الذي نعيش فيه لا يعرف الحب إلا كصفقة، يبادلونه بالمتعة أو بالأمان، ويقيسونه بالربح والخسارة. أما أنا فلا أبيع ولا أشتري، ولا أساوم ولا أقايض، بل أهب روحي كما هي: جائعة، عارية، مصلوبة على صمتها، لكن صادقة. أحبك لا لتكوني لي، بل لأني حين أحبك أكون أنا. وإن خسرتك، فما خسرت شيئاً، لأنك كنتِ بابي إلى جوهر الحب، وما دام الجوهر باقياً فلا موت للحب في داخلي.

وهكذا، يا حبيبتي، فإن الخذلان الأكبر ليس أن أفقدك، بل أن أفقد إيماني بالحب نفسه. وإنني لا أفقده، لأنك مهما كنتِ وهماً أو حقيقة، فإنك صرتِ جزءاً مني، وصار حبي لكِ صلاةً أبدية لا تُجاب ولا تُرفض، بل تُقال وتبقى في صدى الوجود.

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")