آخر ما نشر كارل!

حواريات مارتن و كارل : بين الأشجار

  المكان: حديقة هادئة عند آخر النهار. تمتد الأشجار على جانبي الممر، وتتحرك أغصانها مع ريح خفيفة. يجلس مارتن على مقعد خشبي، بينما يقف كارل غير بعيد عنه، يراقب الأطفال وهم يركضون بين الأشجار. كارل: يا مارتن، أحب أن أستريح. أحب أن أجري بين الأشجار وأمرح بأيامي، دون أن أشعر بأنني مطالب طوال الوقت بأن أكون شخصًا آخر. لا أريد أن أقع في الأخطاء نفسها كل يوم. هل تساعدني، أرجوك؟ مارتن: وكيف أستطيع أن أساعدك يا كارل، وما تريد الهروب منه هو نفسه الذي أهرب منه؟ أو لنقل بيقين أكبر: هو نفسه الذي يحاول الجميع أن يهربوا منه. كارل: أعرف ذلك… لكنني معجب بشخصيتك بالضبط. يصمت قليلًا، ثم يجلس بجانبه. هنالك ملاحظات تأتيني كلما فكرت فيك، أو كنت جالسًا بجانبك هكذا. تبدو لي الإنسان الوحيد على هذا الكوكب الذي لا يحاول أن يهرب. والأغرب أنك تقول لي الآن إنك تهرب أيضًا؛ من القلق نفسه، ومن هذا التفكير الزائد الذي نعيشه جميعًا، ربما دون أي استثناء. لكن لا بد أنك تعرف شيئًا لا أعرفه. لا بد أنك تعرف كيف تبقى فرحًا، أو كيف تعود إلى فرحك بسرعة. فهل تشرح لي كيف تهرب أنت أيضًا من القلق، ومع ذلك تظل قادرًا على أن تضحك،...

ابنة الضوء

 يا حبيبتي، إنني لم أحبك كما يحب الناس، لم أتعلق باسمك ولا بوجهك، لم أتتبع جسدك كما يتتبع العاشقون أجساد من يهوون، بل أحببت فيك ما لا يُرى بالعين ولا يُمسّ باليد: روحك التي تضيء عتمتي، ابتسامتك التي تصحّح اعوجاج يومي، نظرتك التي تفتح نافذةً على سكينة الكون. أحببتك لأنك كنتِ انعكاسي، ولأنك كنتِ سرّي الذي لم أبح به حتى لنفسي.

ولست أخشى الوحدة، فقد عرفتُها وجعلتها رفيقتي، كما عرفتُ الدموع فجعلتها مطهّري، وكما عرفتُ الألم فجعلته خبزي اليومي. الوحدة لا ترعبني، والفقد لا يطفئني، إنما الذي يزلزلني هو أن أستيقظ يوماً فأدرك أنني لم أحبك أنت، بل أحببتُ وهماً صنعته أوهامي، وأنك لم تكوني إلا صورةً لمخيّلتي، طيفاً نقيّاً منقوشاً على دخان، وما كان بيني وبينك ليس حباً بل حلمَ عاشقٍ وحيد.

ولكن حتى لو كان حلماً، حتى لو كنتِ وهماً، فالحب الذي عشته معك هو الحقيقة الوحيدة التي تبرّر حياتي. وإنني لا أخاف أن تصبحي لرجل آخر، ولا أن يتدلى من إصبعك خاتم غريب، فما يتبدّل على الأرض لا يمسّ ما ارتفع في السماء. الجسد يرحل، والاسم يُنسى، والصورة تبهت، لكن الحب حين يولد في الروح يبقى خالداً، لا تقوى عليه خيانة ولا تغييب.

لقد صار الفقد عندي شكلاً من أشكال الحب، وصار الألم طريقاً إلى الفهم. وما كان خذلانك خيانة، بل كان مرآةً كشفت لي أن الحب ليس امتلاكاً، ولا غلبةً، ولا نصراً، بل انكسارٌ بهيّ يعلّم الروح كيف تكون حرة.

يا حبيبتي، إن العالم الذي نعيش فيه لا يعرف الحب إلا كصفقة، يبادلونه بالمتعة أو بالأمان، ويقيسونه بالربح والخسارة. أما أنا فلا أبيع ولا أشتري، ولا أساوم ولا أقايض، بل أهب روحي كما هي: جائعة، عارية، مصلوبة على صمتها، لكن صادقة. أحبك لا لتكوني لي، بل لأني حين أحبك أكون أنا. وإن خسرتك، فما خسرت شيئاً، لأنك كنتِ بابي إلى جوهر الحب، وما دام الجوهر باقياً فلا موت للحب في داخلي.

وهكذا، يا حبيبتي، فإن الخذلان الأكبر ليس أن أفقدك، بل أن أفقد إيماني بالحب نفسه. وإنني لا أفقده، لأنك مهما كنتِ وهماً أو حقيقة، فإنك صرتِ جزءاً مني، وصار حبي لكِ صلاةً أبدية لا تُجاب ولا تُرفض، بل تُقال وتبقى في صدى الوجود.

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")