آخر ما نشر كارل!

أنا أيضا من العابرين

  بجانبي الكثير من المرايا، وحينما أحاول أن أتجاهلها لا أرى إلا انعكاسًا لظلّي. أشيح بوجهي عنها، فأجدني في زجاج النافذة، وفي ماء البحر، وفي عيون الذين مرّوا بي، وفي الأشياء التي ظننت أنني تركتها خلفي. أحاول أن أنسى أنني انعكاسٌ لكل شيء، لكل مدينة عبرتُها، لكل باب أغلقته، لكل يدٍ صافحتها ثم غابت، لكل طريق قلت عنه: لن أعود. وأعود. أخاف أن أتقبّل الأمر، أن أتقبّل أن شيئًا مني ليس لي وحدي، وأن وجهي يحمل وجوهًا كثيرة، وأن صوتي ربما ما زال يحتفظ بأصوات الذين أحببتهم، وأنني، في النهاية، مجرد سطور كتبتها مياه البحر ثم تركتها على الرمل ومضت. ولا أعرف إن كان البحر قد كتبني أم محاني. بجانبي الكثير من الذكريات، وحينما أحاول أن أنساها تأتي الأسماء. أسماء كثيرة تواجهني، تناديني كما لو أنني ما زلت هناك، كما لو أن السنوات لم تمرّ. أسماءٌ كنت أقولها كل يوم، وأسماءٌ لم أعد أجرؤ على قولها، وأسماءٌ نسيت أصوات أصحابها لكنني لم أنسَ كيف كنت أشعر حين ينادونني باسمي. ثم تأتي الأماكن. أماكن كثيرة، بصخبها، بأبوابها، بشوارعها الطويلة، تستفزني. مدينةٌ تركتُ فيها نافذة، مدينةٌ تركتُ فيها صديقًا، مدينةٌ تركتُ ف...

حين لا يملك أحد قلب أحد

الأمر في جوهره ليس معقّدًا؛ فالحب ممكن. ممكن إلى درجة أن الحياة، بكل أثقالها ونعَمها، بكل حروبها واحتفالاتها، لا تقوم إلا على هذا الاحتمال البسيط والمهيب في آن.

لكن المستحيل – أو ما يشبه المستحيل – هو أن يتحرر الإنسان كليًّا من تلك المفارقة القديمة كقِدم الوعي نفسه: مفارقة العقل والعاطفة. إننا مخلوقات تمشي على حدّ السكين، حيث يطلّ المنطق من نافذة واحدة، وتطلّ الرغبة من نافذة أخرى، ولا سبيل لإغلاق إحداهما دون أن تفسد الرؤية.

ولأنني أحب أن أختبر طرائق غير مألوفة في فهم الحب، قررت أن أتعامل معه لا كمفهوم جامد، ولا كتجربة عابرة، بل كرحلة دائمة في صحراء المعنى، أبحث فيها عن ينابيع غير مرئية. ما تعلمته حتى الآن، هو ما بدأت به: الحب ممكن. لكنه ليس طريقًا مفروشًا بالزهور كما تصوّره القصص، بل هو أشبه بممر جبليّ بين وديان مظلمة وقمم مضيئة، لا يعبره إلا من جمع في قلبه شجاعة السقوط وبهجة النهوض.

أنا هنا لا أتحدث عن الحب في صورته الضيقة بين رجل وامرأة فقط، ولا عن الشغف المؤقت تجاه فكرة أو شيء، بل عن ذلك الحضور الخفي الذي يجعل الإنسان وفيًّا لذاته. ذلك الإصرار الهادئ على أن يحيا بامتلاء، وأن لا يفرّط في المسافة التي تميّزه عن العدم. الحب، كما أراه، هو ذلك الوميض الداخلي الذي يقول لنا في كل صباح: "قُم، فما زال في العالم ما يستحق قلبك".

أما في الحب بين المرأة والرجل، فقد علّمتني كلية الحياة أن الحب بينهما ممكن جدًا، لكنه لا يزهر إلا إذا نظر كل منهما إلى الآخر كمساحة اتساع، لا كحدود ملكية. الحب الذي يتنفس يحتاج إلى سماء واسعة، لا إلى جدران الغيرة والامتلاك. يحتاج إلى أن يكون كل طرف حرًّا في أن يظل ذاته، وأن يكتشف نفسه من جديد، دون أن يُفرض عليه أن يكون مرآة صافية لتوقعات الآخر أو حلمه أو مثاله.

الحب، مهما تبدّلت الأزمنة، سيبقى ممكنًا: في المدن التي تتوهج بأضواء الحداثة، وفي القرى التي ما زالت تحصي الفصول بألوان الحقول، وفي الحقب التي لم تأتِ بعد. لكن السؤال الأعمق ليس: هل يمكن للحب أن يوجد؟ بل: أي حب نريد نحن أن نوجده؟

هل نريده معبودًا يطلب طقوس الولاء؟ أم فكرة نختبر صدقها؟ أم تحديًا نخوضه ضد أنفسنا؟ أم مرآة نرى فيها أجمل ما فينا وأقبحه؟ أم نهرًا من الطبيعة يجري بنا نحو مصير أوسع منّا؟

إن تحديد ماهية الحب ليس غاية في ذاته، بل هو تدريب على الحرية. فنّ التربية على تحرير الحق في الحب، هو في رأيي الخطوة الأولى في تاريخ الوجود نحو خلود الحب، وخلود الحياة، وربما نحو أن يصير الإنسان ذاته كائنًا خالدًا في أثره، حتى وإن فني جسده.

لعل الحب، في النهاية، ليس شيئًا نمتلكه أو نفقده، بل هو الطريق نفسه، الذي إن مشيناه بصدق، كشف لنا سرّ أن نكون أحياء حقًا.

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")