آخر ما نشر كارل!

أنا أيضا من العابرين

  بجانبي الكثير من المرايا، وحينما أحاول أن أتجاهلها لا أرى إلا انعكاسًا لظلّي. أشيح بوجهي عنها، فأجدني في زجاج النافذة، وفي ماء البحر، وفي عيون الذين مرّوا بي، وفي الأشياء التي ظننت أنني تركتها خلفي. أحاول أن أنسى أنني انعكاسٌ لكل شيء، لكل مدينة عبرتُها، لكل باب أغلقته، لكل يدٍ صافحتها ثم غابت، لكل طريق قلت عنه: لن أعود. وأعود. أخاف أن أتقبّل الأمر، أن أتقبّل أن شيئًا مني ليس لي وحدي، وأن وجهي يحمل وجوهًا كثيرة، وأن صوتي ربما ما زال يحتفظ بأصوات الذين أحببتهم، وأنني، في النهاية، مجرد سطور كتبتها مياه البحر ثم تركتها على الرمل ومضت. ولا أعرف إن كان البحر قد كتبني أم محاني. بجانبي الكثير من الذكريات، وحينما أحاول أن أنساها تأتي الأسماء. أسماء كثيرة تواجهني، تناديني كما لو أنني ما زلت هناك، كما لو أن السنوات لم تمرّ. أسماءٌ كنت أقولها كل يوم، وأسماءٌ لم أعد أجرؤ على قولها، وأسماءٌ نسيت أصوات أصحابها لكنني لم أنسَ كيف كنت أشعر حين ينادونني باسمي. ثم تأتي الأماكن. أماكن كثيرة، بصخبها، بأبوابها، بشوارعها الطويلة، تستفزني. مدينةٌ تركتُ فيها نافذة، مدينةٌ تركتُ فيها صديقًا، مدينةٌ تركتُ ف...

حواريات مارتن و كارل: صوت البحر ليس أعلى من الناس

 المكان: شرفة منزل في قلب طنجة، على بعد خطوات من البحر.

الوقت: الثانية بعد منتصف الليل.

الصوت: كأن المدينة كلها تتنفس من فم واحد... صاخب ومبتهج ومحتجّ في آنٍ معا..

مارتن ينظر إلى الأسفل، يضع وسادة صغيرة فوق السور محاولًا الاحتماء من الضجيج

كنتُ أعتقد أن الليل في طنجة يشبه الشعر الأندلسيفإذا به مهرجانٌ شعبي بلا تصريح.

كارل جالس على الأرض، يحتضن كوب ماءٍ كأنّه نبيٌ تعب من الدعوة

لا، لاهذا ليس مهرجانًا يا مارتن. هذا صوت الوطن حين يشخر. طنجة لا تنام… هي فقط تُبدّل نوع الصخب كل ساعتين.

مارتن يشير إلى الشارع بحاجبه الكسول

أنظر… تلك العائلة تحمل مشواة! نحن في منتصف الليل، وهناك من قرر أن العشاء في الخارج، وتحرير غزة يبدأ من ساحة موزّعة بين الكباب وأغنية "يا ليل".

كارل بابتسامة ساخرة تنزل من عينيه لا من فمه

هذه البلاد لا تؤمن بالليل، ولا تحترم الحالمين. كل من يحاول أن يكتب، أن يصمت، أن يسمع قلبه...يُقاطعونه بزغرودة، أو بوق سيارة، أو مظاهرة تهتف لفلسطين عبر مكبر صوت يُستخدم أيضًا في بيع الطماطم.

مارتن يتنهد بعمق، يتأمل البحر بلا رغبة

أردت أن أكتب شيئًا الليلة. نصًا صادقًا، مثل ناي في غرفة مغلقة. لكن كيف أكتب؟ والناي صار من خشب الطاولة والغرفة تحولت إلى ساحة حرب بين جيران في طابق واحد.

كارل يهمس، كأنه يُخبّئ وجعًا في سخرية

أنا؟ كنت على وشك أن أبدأ فصلاً من روايتي. بطلٌ يهرب من الضجيج بحثًا عن معنى الحياةلكن قررت أن أبدأ من جديد: بطلٌ يحاول النوم وتمنعه طنجة.

مارتن يضرب كفّه بخفّة على ركبته

هل تعتقد أننا نحن المشكلة؟ ربما نحن فقط جيل هش لا يحتمل قليلًا من الحياة، بينما الجيل السابق كتب دواوينه وهو يُقصف بالمدفع.

كارل ينظر إليه وكأنه يسمع شيئًا أعمق من السؤال

الفرق يا مارتن، أن الجيل القديم كان يعرف من يُقاتل أما نحن، فنقاتل كل شيءالضجيج، الهاتف، المكيف، الأخبار، البيت، أنفسنا. كلنا في معركةولا نعرف من القائد.

مارتن يقف، ينفض الغبار عن سرواله، يضحك بهدوء

يعني خلاصة الليلة؟ لا كتابة، لا نوم، لا فكرة، لكندرس مجاني في فن احتمال اللاجدوى؟

كارل ينهض ببطء، يطفئ سيجارته في كوب الماء

الدرس؟ هو أن الحياة لا تهتم بخططنا، وأننا إذا لم نتعلم أن نكتب وسط الضجيج فلن نكتب أبدًا.

ك.ج


 

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")