آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

حواريات مارتن و كارل: كاراتيه على مهل

 الشخصيات:

مارتن: في نهاية العشرينات، يحمل في عينيه ظلَّ أسئلة لم تجد جوابًا.

كارل: أكبر قليلًا، يتحدث ببطء وكأنه يزن الكلمات في كفّتين.

المكان:

مقهى صغير على رصيف قديم في المدينة، مساء شتوي، المطر يطرق الزجاج بخفة.

المشهد يفتتح بصوت المطر، وضوء أصفر ينسكب على الطاولة الخشبية

مارتن (يحرّك فنجان قهوته بلا وعي):

كارل… منذ كنت في الرباط، وأنا أحمل تلك الرغبة في داخلي… أن أتعلم فنًّا من فنون القتال. الكاراطي… أو أي فن يجعل جسدي أكثر انسيابًا… أكثر طواعية لعقلي.

كارل (ينظر إلى الشارع المبتل):

أجل… أتذكر جيدًا. كنتَ تتحدث عن ذلك وكأنك تبحث عن مفتاح في جسدك، مفتاح يفتح بابًا في روحك.

مارتن (يتنهد):

ورغم ذلك… لم أقرر بعد. مضت سنوات، وما زلت في ذات النقطة.

كارل (يبتسم ابتسامة خفيفة):

أعرف… لكنني لا أرى هذا التردد خطيئة. أحيانًا التردد يشبه جلوسك قرب النهر، تراقب الماء قبل أن تضع قدمك فيه. قد يأخذ منك وقتًا طويلًا، لكنه يمنحك قرارًا لا رجعة فيه حين تخطو.

مارتن:

ولكن… ألا ترى أن النهر قد يجف قبل أن أقرر؟

كارل (يتأمل الفنجان بين يديه):

ربما… لكنني سأختلف معك لو كان الأمر يتعلق بقطار يرحل، أو بباب يُغلق. أما هنا… فالأمر يشبه السماء، ستظل فوقك، تنتظر نظرتك الأولى التي تمنحها المعنى.

صمت قصير، يسمع فيه صوت المطر بوضوح أكبر

مارتن (بصوت منخفض):

ومتى تعرف… متى يجب ومتى لا يجب؟

كارل (بابتسامة حزينة):

هذا هو السؤال الذي لم أجد له جوابًا كاملاً. ربما لأن الجواب يتغير كلما تغيرنا نحن.

المشهد ينتهي بكلاهما صامتين، يراقبان المطر وكأنهما في حوار أعمق من الكلام.

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")