آخر ما نشر كارل!

أنا أيضا من العابرين

  بجانبي الكثير من المرايا، وحينما أحاول أن أتجاهلها لا أرى إلا انعكاسًا لظلّي. أشيح بوجهي عنها، فأجدني في زجاج النافذة، وفي ماء البحر، وفي عيون الذين مرّوا بي، وفي الأشياء التي ظننت أنني تركتها خلفي. أحاول أن أنسى أنني انعكاسٌ لكل شيء، لكل مدينة عبرتُها، لكل باب أغلقته، لكل يدٍ صافحتها ثم غابت، لكل طريق قلت عنه: لن أعود. وأعود. أخاف أن أتقبّل الأمر، أن أتقبّل أن شيئًا مني ليس لي وحدي، وأن وجهي يحمل وجوهًا كثيرة، وأن صوتي ربما ما زال يحتفظ بأصوات الذين أحببتهم، وأنني، في النهاية، مجرد سطور كتبتها مياه البحر ثم تركتها على الرمل ومضت. ولا أعرف إن كان البحر قد كتبني أم محاني. بجانبي الكثير من الذكريات، وحينما أحاول أن أنساها تأتي الأسماء. أسماء كثيرة تواجهني، تناديني كما لو أنني ما زلت هناك، كما لو أن السنوات لم تمرّ. أسماءٌ كنت أقولها كل يوم، وأسماءٌ لم أعد أجرؤ على قولها، وأسماءٌ نسيت أصوات أصحابها لكنني لم أنسَ كيف كنت أشعر حين ينادونني باسمي. ثم تأتي الأماكن. أماكن كثيرة، بصخبها، بأبوابها، بشوارعها الطويلة، تستفزني. مدينةٌ تركتُ فيها نافذة، مدينةٌ تركتُ فيها صديقًا، مدينةٌ تركتُ ف...

حواريات مارتن و كارل: كاراتيه على مهل

 الشخصيات:

مارتن: في نهاية العشرينات، يحمل في عينيه ظلَّ أسئلة لم تجد جوابًا.

كارل: أكبر قليلًا، يتحدث ببطء وكأنه يزن الكلمات في كفّتين.

المكان:

مقهى صغير على رصيف قديم في المدينة، مساء شتوي، المطر يطرق الزجاج بخفة.

المشهد يفتتح بصوت المطر، وضوء أصفر ينسكب على الطاولة الخشبية

مارتن (يحرّك فنجان قهوته بلا وعي):

كارل… منذ كنت في الرباط، وأنا أحمل تلك الرغبة في داخلي… أن أتعلم فنًّا من فنون القتال. الكاراطي… أو أي فن يجعل جسدي أكثر انسيابًا… أكثر طواعية لعقلي.

كارل (ينظر إلى الشارع المبتل):

أجل… أتذكر جيدًا. كنتَ تتحدث عن ذلك وكأنك تبحث عن مفتاح في جسدك، مفتاح يفتح بابًا في روحك.

مارتن (يتنهد):

ورغم ذلك… لم أقرر بعد. مضت سنوات، وما زلت في ذات النقطة.

كارل (يبتسم ابتسامة خفيفة):

أعرف… لكنني لا أرى هذا التردد خطيئة. أحيانًا التردد يشبه جلوسك قرب النهر، تراقب الماء قبل أن تضع قدمك فيه. قد يأخذ منك وقتًا طويلًا، لكنه يمنحك قرارًا لا رجعة فيه حين تخطو.

مارتن:

ولكن… ألا ترى أن النهر قد يجف قبل أن أقرر؟

كارل (يتأمل الفنجان بين يديه):

ربما… لكنني سأختلف معك لو كان الأمر يتعلق بقطار يرحل، أو بباب يُغلق. أما هنا… فالأمر يشبه السماء، ستظل فوقك، تنتظر نظرتك الأولى التي تمنحها المعنى.

صمت قصير، يسمع فيه صوت المطر بوضوح أكبر

مارتن (بصوت منخفض):

ومتى تعرف… متى يجب ومتى لا يجب؟

كارل (بابتسامة حزينة):

هذا هو السؤال الذي لم أجد له جوابًا كاملاً. ربما لأن الجواب يتغير كلما تغيرنا نحن.

المشهد ينتهي بكلاهما صامتين، يراقبان المطر وكأنهما في حوار أعمق من الكلام.

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")