آخر ما نشر كارل!

حواريات مارتن و كارل : بين الأشجار

  المكان: حديقة هادئة عند آخر النهار. تمتد الأشجار على جانبي الممر، وتتحرك أغصانها مع ريح خفيفة. يجلس مارتن على مقعد خشبي، بينما يقف كارل غير بعيد عنه، يراقب الأطفال وهم يركضون بين الأشجار. كارل: يا مارتن، أحب أن أستريح. أحب أن أجري بين الأشجار وأمرح بأيامي، دون أن أشعر بأنني مطالب طوال الوقت بأن أكون شخصًا آخر. لا أريد أن أقع في الأخطاء نفسها كل يوم. هل تساعدني، أرجوك؟ مارتن: وكيف أستطيع أن أساعدك يا كارل، وما تريد الهروب منه هو نفسه الذي أهرب منه؟ أو لنقل بيقين أكبر: هو نفسه الذي يحاول الجميع أن يهربوا منه. كارل: أعرف ذلك… لكنني معجب بشخصيتك بالضبط. يصمت قليلًا، ثم يجلس بجانبه. هنالك ملاحظات تأتيني كلما فكرت فيك، أو كنت جالسًا بجانبك هكذا. تبدو لي الإنسان الوحيد على هذا الكوكب الذي لا يحاول أن يهرب. والأغرب أنك تقول لي الآن إنك تهرب أيضًا؛ من القلق نفسه، ومن هذا التفكير الزائد الذي نعيشه جميعًا، ربما دون أي استثناء. لكن لا بد أنك تعرف شيئًا لا أعرفه. لا بد أنك تعرف كيف تبقى فرحًا، أو كيف تعود إلى فرحك بسرعة. فهل تشرح لي كيف تهرب أنت أيضًا من القلق، ومع ذلك تظل قادرًا على أن تضحك،...

حينما التقيت روح كافكا

 لم أعرف أي طريق أسلك… كانت الطرق كلها أمامي كأنها خرائط فارغة، بلا علامات، بلا إشارات. فاتكأت على حائط صغير، حائط لا يتسع إلا لرجل مثقل برأسه، مثلي، رجل يجرّ وراءه ظلّه الطويل المرهق من التفكير والانتظار والخيال. لم أسأل نفسي هل ثمة حائط آخر بقربي، أو هل هنالك آخرون توقفوا كما توقفت… كل ما رغبت فيه أن أترك خطواتي تستريح، أن أجلس في الفراغ وأراقب حياتي تتنفس ببطء.

بقيت هناك لساعات طويلة، الزمن كان يذوب من حولي مثل ثلج في كأس ماء. أرتشف من قنينة نصف فارغة وأمضغ بضع حبات لوز وجوز حملتها معي، لا كزادٍ لطريق، بل كذاكرة للأرض والأشجار. وكلما مضغت حبة، شعرت أنني أمضغ شيئًا من طفولتي، شيئًا من حلمٍ لم يكتمل. وكنت أفكر، أفكر حتى أثقل التفكير عينيّ، حتى بدا لي أن الأفكار ذاتها تبحث عن حائط تستند إليه.

وفجأة، كسر الصمت صدى صوت… لم أعرف هل هو نداء بعيد أم صوت صرخة ضاعت في الجبال. استدرت ببطء، فرأيت رجلاً يقترب متعثرًا، كأنه يمشي بين النوم واليقظة. كان يبحث عن وقفة، عن هواء، عن ماء. اقتربت منه، وناولته يدي. حين وقف، كان كمن خرج للتو من أعماق بئر. قال بصوت متعب إنه عطشان. ناولته القنينة وما تبقّى من فواكه جافة، شرب ببطء، أكل حبة أو اثنتين، ثم رفع عينيه نحوي. كانت عيناه مثل نافذتين مفتوحتين على عالم آخر.

تأملني طويلاً، ثم قال: "أنا روح كافكا، من أنت؟"

ابتسمت، وشعرت أن السؤال لا يحتاج إلى هوية بل إلى صدى، فقلت: "أنا كارل جبران…" 

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")