آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

حينما التقيت روح كافكا

 لم أعرف أي طريق أسلك… كانت الطرق كلها أمامي كأنها خرائط فارغة، بلا علامات، بلا إشارات. فاتكأت على حائط صغير، حائط لا يتسع إلا لرجل مثقل برأسه، مثلي، رجل يجرّ وراءه ظلّه الطويل المرهق من التفكير والانتظار والخيال. لم أسأل نفسي هل ثمة حائط آخر بقربي، أو هل هنالك آخرون توقفوا كما توقفت… كل ما رغبت فيه أن أترك خطواتي تستريح، أن أجلس في الفراغ وأراقب حياتي تتنفس ببطء.

بقيت هناك لساعات طويلة، الزمن كان يذوب من حولي مثل ثلج في كأس ماء. أرتشف من قنينة نصف فارغة وأمضغ بضع حبات لوز وجوز حملتها معي، لا كزادٍ لطريق، بل كذاكرة للأرض والأشجار. وكلما مضغت حبة، شعرت أنني أمضغ شيئًا من طفولتي، شيئًا من حلمٍ لم يكتمل. وكنت أفكر، أفكر حتى أثقل التفكير عينيّ، حتى بدا لي أن الأفكار ذاتها تبحث عن حائط تستند إليه.

وفجأة، كسر الصمت صدى صوت… لم أعرف هل هو نداء بعيد أم صوت صرخة ضاعت في الجبال. استدرت ببطء، فرأيت رجلاً يقترب متعثرًا، كأنه يمشي بين النوم واليقظة. كان يبحث عن وقفة، عن هواء، عن ماء. اقتربت منه، وناولته يدي. حين وقف، كان كمن خرج للتو من أعماق بئر. قال بصوت متعب إنه عطشان. ناولته القنينة وما تبقّى من فواكه جافة، شرب ببطء، أكل حبة أو اثنتين، ثم رفع عينيه نحوي. كانت عيناه مثل نافذتين مفتوحتين على عالم آخر.

تأملني طويلاً، ثم قال: "أنا روح كافكا، من أنت؟"

ابتسمت، وشعرت أن السؤال لا يحتاج إلى هوية بل إلى صدى، فقلت: "أنا كارل جبران…" 

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")