آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

حين أمشي بلا كمال

دعني أمشي في هذه الحياة كما أنا، بلا سياج، بلا عصا أحاسب بها نفسي. تعبت من ملاحقة صورة مثالية كأنها طيف يضحك مني كلما اقتربت. الكمال ليس سوى خدعة، مرآة ملساء لا تعكس سوى فراغ، وكلما انحنيت لأرى وجهي فيها اكتشفت أنني ضائع أكثر.

أنا لا أريد وجهاً مصقولاً أمام العالم، لا أريد أن أكون نسخة معدّلة من نفسي. أريدني كما أنا: ضعيفًا حين أضعف، قويًا حين أحتدّ، مرتبكًا حين تضيق الطرق. أريد أن أسامح نفسي حين تسقط، أن أحبها حتى في فوضاها، حتى في شتاتها.

الفوضى… كم هي جميلة حين لا نخافها. تبدو أولاً كعاصفة، كتشوش، كخطوط متقاطعة بلا معنى. لكن حين أجلس وسطها، أكتشف أن كل عثرة تفتح نافذة، وكل شرخ يضيء. الفوضى ليست عبثًا؛ هي الأم التي تلد الحركة، هي الأرض التي تُنبت من صخبها بذورًا جديدة.

أنا لم أعد أرى في النظام خلاصًا. النظام أحيانًا قفص أنيق، يعلّق على جدرانه لوحات مرتبة لكنه يخنق الهواء. الفوضى، رغم ضجيجها، تسمح لي بالتنفس. تمنحني هواءً حرًّا، حتى لو كان عاصفًا، حتى لو حمل غبارًا في رئتي. فما الغبار إلا دليل أنني حي.

أريد أن أعيش كما تعيش الغيمة، تتحرك حيثما تحملها الريح، تنهمر مطرًا حين تمتلئ، وتذوب شمسًا حين ينقشع الليل. أريد أن أعيش كما الحجر على جانب الطريق، يلمسه العابر فيلتقطه، أو يتركه في مكانه، لكنه يظل هناك يشهد مرور الأيام.

الفوضى هي التي تعلّمني ألا أخاف من نفسي، ألا أهرب من ضعفي. إن ضعفي نفسه حكمة، وإن كسري نفسه معنى. أحيانًا أشعر أن لا شيء أثمن من أن أكون ناقصًا، لأن النقص هو الذي يجعلني أبحث، هو الذي يجعلني أكتب، هو الذي يجعلني أحب.

ما حاجتي أن أضع نفسي في ميزان "خير" و"شر"، "صواب" و"خطأ"؟ هذه الكلمات ثقيلة على روحي، كأنها حجارة أربطها إلى عنقي. ما أريده هو أن أعيش: أن أتعثر، أن أرتكب، أن أجرّب، أن أضحك حين أفشل وأبكي حين أخسر، ثم أنهض وأمضي.

لقد تعبت من رسم طريق الكمال، من خطوط مستقيمة لا تحتمل انحناء. أريد طرقًا ملتوية، أريد انعطافات حادّة، أريد أن أضيع أحيانًا لأجد نفسي من جديد. أريد أن أعيش بلا خريطة، بلا اتجاه محدّد، كمسافر يعرف أن كل تيه يضيف إلى رحلته معنى.

إنني حين أستسلم للفوضى، أكتشف أني أتحرر. الحرية ليست أن أكون بلا حدود فقط، بل أن أتصالح مع الفوضى في داخلي، أن أدعها تكتبني، أن أسمح لها أن تكسر الصور القديمة لتصنع وجهاً أكثر صدقًا.

أفهم الآن أن الفوضى ليست سقوطًا، بل عبور. ليست خواءً، بل بداية جديدة. ليست ضد النظام، بل ضد الزيف. إنها الطريق الذي يقودني إلى حكمة لم أكن أراها: أن الحياة ليست أن أبلغ الكمال، بل أن أعيش بكل نقصي، بكل صدقي، بكل هشاشتي، وأظلّ أبحث.

ك.ج

 

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")