آخر ما نشر كارل!

لست متأكدا إن كنت أنا

  أشعر أحيانا أن حياتي كلها تتحرك بطريقة غريبة لا أفهمها تماما، كأنني كلما اقتربت من شيء حقيقي بداخلي، من ذلك المكان العاري الذي أخاف النظر إليه مباشرة، تبدأ الأشياء كلها بالتغيّر فجأة، وكأنني أصل دائما إلى شخص آخر يسكنني منذ سنوات طويلة، شخص لا يريد من هذه الحياة سوى أن يتبع رغباته بلا نهاية، أن يهرب من نفسه بأي طريقة ممكنة، أن يمارس الجنس مع فتاة جميلة فقط ليشعر للحظات أنه ما زال حيا، أو يشرب الجعة حتى يفقد ذلك الصوت الداخلي الذي لا يتوقف عن الكلام، أو يدخن حشيشة وراء أخرى، أو يجرّب أي شيء قادر على أن يطفئ هذا التعب الثقيل الذي يسكن قلبه. وأحيانا أنظر إليه بخوف حقيقي، لأنني لا أعرف إن كان هذا الشخص هو أنا فعلا، أم مجرد شبح نفسي تكوّن داخلي عبر السنوات، من الخيبات الصغيرة، من الوحدة، من الرغبات التي لم أفهمها، من أشياء كثيرة تراكمت بصمت حتى أصبحت جزءا مني دون أن أشعر. أجلس أحيانا أتأمله وكأنه شخص منفصل عني تماما، أراقبه وهو يأخذ كل انتباهي، يلتهم أيامي، يجعل الأشياء التي كانت مهمة بالنسبة لي تبدو بعيدة وفارغة. حتى أحلامي القديمة، تلك الأشياء التي كنت أؤمن بها بصدق، صارت تبدو كأن...

عن الحب في زمن الرد المتأخر

 أنا، مثل كثيرين، لم أتعلم الحب من دورات تدريبية على الإنترنت ولا من فيديوهات تحفيزية.

تعلمته من الحياة نفسها: من الرسائل التي كانت تصلني مكتوبة على ورق، ومن العيون التي كانت تقول أكثر مما تستطيع الحروف، ومن فكرة أن شخصًا واحدًا، واحدًا فقط، يمكن أن يكون ملاذك في عالم صاخب.
لكن يبدو أنني الآن أعيش في عصر لم يعد يقدّر هذه التفاصيل الصغيرة....عصر تُرسل فيه الرسائل فتظهر إشارة "تمت القراءة"… ثم يُدفن الرد في مقبرة الوقت.

أنا لا أبحث عن علاقة عابرة، ولا أريد أن أكون شخصية ثانوية في فيلم حياة أحدهم...أنا أبحث عن امرأة تعرف أن الحب ليس إشغال وقت فراغ، بل هو استثمار طويل الأمد في الروح....امرأة لا تحتاج أن تتذكرني لأنني موجود في قلبها أصلًا، ولا تضطر لأن توازن بين رسائلي ورسائل عشرات آخرين على هاتفها....امرأة تعرف أن الرد ليس فقط نصًا مكتوبًا، بل رسالة غير معلنة تقول: "أنت مهم عندي".

لكن، يا سادة، نحن في زمن صارت فيه القلوب مثل الهواتف: دائمًا متصلة… لكن غالبًا على وضع الصامت.
أصبح من الطبيعي أن تبدأ محادثة طويلة مليئة بالضحك والمشاعر، ثم تختفي فجأة كأن شيئًا لم يكن.
وحين تجرؤ على إرسال رسالة أخرى، تشعر أنك ترتكب خطيئة اجتماعية، وكأن اهتمامك أصبح جريمة، أو كأنك تقتحم مساحة لا تخصك.

أعرف أن الناس مشغولون، وأن كل واحد يعيش قصته الخاصة، لكن ما لا أفهمه هو: لماذا ندخل حياة بعضنا إذا لم نكن مستعدين لنبقى فيها؟ لماذا نفتح الأبواب إن كنا لا ننوي استقبال أحد؟ أهو حب الاكتشاف فقط، أم أننا أصبحنا نعامل المشاعر كمنتجات نختبرها ثم نرميها حين تنتهي صلاحيتها؟

أنا لست مثاليًا. أعلم أن العلاقات ليست روايات رومانسية تنتهي دومًا بجملة "وعاشا في سعادة أبدية".

لكنني في المقابل لا أرى الحب لعبة احتمالات...الحب بالنسبة لي التزام...صدق... وفاء...وضوح...ليس حبًا إذا كان يحتاج جدول مواعيد أو استراتيجية مراوغة....ليس حبًا إذا كان عليك أن تخمّن مشاعر الآخر كما نخمن الطقس.

لقد عشت سنوات طويلة وحدي، ولم أعد أخاف الوحدة...تعلمت أن الهدوء الذي يسكنني هو أثمن ما أملك، وأني لن أسمح لأحد أن يدخل حياتي ليضيف إليها فوضى بلا معنى....من يريد أن يكون هنا، فليكن بكامل حضوره، لا نصفه...ومن يختفِ بلا كلمة، فليذهب ومعه نصيبي من الاحتمالات الضائعة.

سأمشي دائمًا نحو من يمشي نحوي، وسأقف عند أول باب مغلق، لأن الحب، كما أراه، ليس استجداءً للعاطفة،
بل رقصة متناسقة تحتاج إلى قدمين تتحركان معًا، لا قدم واحدة ترقص بينما الأخرى تبحث عن مخرج.

قد أكون ساخرًا وأنا أقول: نعم، أريد حبًا في زمن السرعة، لكن على مهل… حبًا لا يختفي بين الإشعارات، حبًا يعرف أن القلب لا يملك زر إيقاف مؤقت...حبًا يرد حين يحنّ، ولا يحنّ حين يملّ.

إلى أن أجد هذا الحب، سأظل أعيش بهدوئي، أكتب، أضحك، وأراقب العالم وهو يتسابق نحو اللاشيء، وأنا أبحث، بلا استعجال، عن شيء يستحق البقاء.

ك.ج

 

تعليقات