آخر ما نشر كارل!

لست متأكدا إن كنت أنا

  أشعر أحيانا أن حياتي كلها تتحرك بطريقة غريبة لا أفهمها تماما، كأنني كلما اقتربت من شيء حقيقي بداخلي، من ذلك المكان العاري الذي أخاف النظر إليه مباشرة، تبدأ الأشياء كلها بالتغيّر فجأة، وكأنني أصل دائما إلى شخص آخر يسكنني منذ سنوات طويلة، شخص لا يريد من هذه الحياة سوى أن يتبع رغباته بلا نهاية، أن يهرب من نفسه بأي طريقة ممكنة، أن يمارس الجنس مع فتاة جميلة فقط ليشعر للحظات أنه ما زال حيا، أو يشرب الجعة حتى يفقد ذلك الصوت الداخلي الذي لا يتوقف عن الكلام، أو يدخن حشيشة وراء أخرى، أو يجرّب أي شيء قادر على أن يطفئ هذا التعب الثقيل الذي يسكن قلبه. وأحيانا أنظر إليه بخوف حقيقي، لأنني لا أعرف إن كان هذا الشخص هو أنا فعلا، أم مجرد شبح نفسي تكوّن داخلي عبر السنوات، من الخيبات الصغيرة، من الوحدة، من الرغبات التي لم أفهمها، من أشياء كثيرة تراكمت بصمت حتى أصبحت جزءا مني دون أن أشعر. أجلس أحيانا أتأمله وكأنه شخص منفصل عني تماما، أراقبه وهو يأخذ كل انتباهي، يلتهم أيامي، يجعل الأشياء التي كانت مهمة بالنسبة لي تبدو بعيدة وفارغة. حتى أحلامي القديمة، تلك الأشياء التي كنت أؤمن بها بصدق، صارت تبدو كأن...

حين يضيق العالم بصدقك

 لطالما حاولت أن أحرّر أفكاري من قيود مشاعري، أن أكون ذلك الرجل الذي تحلم به المرايا حين تعكس صورة الكمال، الرجل الذي يتمناه كل أب لابنه، أو يتمناه الإله لكل إنسان. أن أكون فاضلا، خاليا من الأفعال التي قد تترك في القلب ندبة، أو في الروح ظلا من ذنب أو ندم. أن أسير على الطريق المستقيم كما يراه المتدينون، أن أعبد الله بصفاء النية، وأن أكون رجلا ملتزما يقتفي أثر الفضيلة بلا تردد.

لكن، في أعماق تأملاتي، أجد نفسي وجهاً لوجه أمام تناقضات موجعة. كيف يمكن لإنسان وفيّ، يفيض قلبه بالحب، أن يخسر حبيبته؟ كيف يمكن لرجل يمد يده بالعون لكل من يلقاه في الشارع أو بين معارفه، أن يجد نفسه غريبا عن قلوب الناس، مرفوض الفلسفة، منبوذ الانطواء؟

أحب الله، لكنني أجرؤ على نقد الدين والنصوص المقدسة، فينقلب حبي في عيون الآخرين إلى كفر أو جحود. أحب وطني، لكنني أنتقد النظام والحكومة، فيصبح حبي خيانة في أعين من يقدّسون الصمت. أعيش بين حب حقيقي ومواقف صادقة، لكن العالم من حولي لا يتسع لصدقٍ كهذا.

أحب عائلتي بصدق، أساندها ما استطعت، لكنني لا أستطيع أن أبتلع الوهم الذي يتوارثونه: أن الحياة هي الاستقرار، وأن الفضيلة هي الاستقرار، وأن الإحسان هو الاستقرار. لكن ماذا عن العقل الذي ربّيته وحدي، العقل الذي نما في صمت الليالي حين كنت أقرأ الكتب لأنهم قالوا إن القراءة فضيلة؟ وحين قرأت أكثر مما احتملوا، صار ما أقرأه تهديدا لثقافتهم، خيانة لعقائدهم، رجسا يفسد الطمأنينة التي يتشبثون بها.

لا أفهم… لماذا تطلبون مني أن أكون ذكيا وناجحا، ثم تغضبون إن أصبحت كذلك فعلا؟ لماذا تمجّدون الفضيلة ثم تحاربونها حين تخرج من القوالب الجاهزة؟ أهو خطأي أنني أعيش وفق قناعة صنعها عقلي وضميري لا وفق ما يرسمه القطيع؟

إنني، بحق، حائر في هذا العالم الذي يرفع شعارات الحب، لكنه يطرد المحب إذا لم يحمل نفس القاموس. عالم يقدّس الفضيلة، لكنه يكره من يختار أن يعرّفها بنفسه. عالم يصفق للنجاح، لكنه يخشى من نجاحٍ لا يشبهه.

أكتب هذه الكلمات لا طلبا للشفقة، بل رغبة في أن يُفهم هذا القلب، أن يُدرك هذا العقل أن الحيرة التي أسكنها ليست مرضا، بل رد فعل طبيعي أمام عبثية هذا المسرح الكبير الذي نسميه حياة. وإن كنت في أزمة، فهي أزمة صدق في زمن الأقنعة، وأزمة عقل في زمن يُكافأ فيه الصمت أكثر من الفكر، وأزمة حب في زمن يخلط الحب بالامتلاك.

ربما لن يفهمني أحد… لكنني على الأقل، أفهم نفسي.

ك.ج

 

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")