آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

حواريات مارتن و كارل: حين يحكم الدجاج

 كارل: منشغل ببناء كوخ خشبي بسيط في وسط الخشبة. يحمل مطرقة ويتحدث مع نفسه أحياناً.

مارتن: يقف بملابس أنيقة، متأنق أكثر من اللازم، ينظر باستغراب.

الدجاجة (صوت أو ظل على الحائط): تظهر أحياناً بصوت عابر أو بضحكة خافتة.

مارتن (ساخراً):

هاي كارل... ماذا تفعل هنا؟ تبدو وكأنك تكتب وصيتك على ألواح خشب!

كارل (مطرقاً، دون أن ينظر):

بل أبني كوخاً يا مارتن.

مارتن (مندهشاً):

كوخ؟! في زمن ناطحات السحاب، أنت تعود إلى الكوخ؟

يقفز فجأة كمن اكتشف شيئاً

آه! هل هربت من فاتورة الكهرباء؟

كارل (مبتسماً):

أهرب؟ لا يا صديقي... بل أؤسس مملكة.

مارتن (ضاحكاً):

مملكة؟ أي عرش خشبي هذا؟

كارل (بهدوء يشبه المكر):

مملكة للدجاج.

مارتن (يقهقه):

هاهاها! وهل ستجلس الدجاجات على العرش وتخطب في الشعب؟

كارل (متأملاً السماء):

ولِمَ لا؟ البشر جربوا الخطابة قروناً ولم يأتوا إلا بالحروب. ربما إذا خطبت الدجاجة، سيتعلم البشر شيئاً من الحكمة.

الدجاجة (صوت خافت من الظلال):

قاقااااع! (تضحك وكأنها توافق).

مارتن (يتراجع خطوة):

يا رجل... حتى الدجاج يضحك من أفكارك!

كارل (يطرق لوحاً بالمطرقة):

الدجاج لا يضحك يا مارتن، بل يسخر. والسخرية أعمق من الضحك.

مارتن (بتعالٍ):

لكن لماذا الدجاج؟ لماذا لا تُربي نسوراً، أو على الأقل بطريقاً؟ شيء يليق برجل مثقف مثلك.

كارل (يميل نحوه):

لأن النسر يتوهم أنه حر... يعلو ثم يسقط برصاصة. أما الدجاجة، فهي تعرف أنها سجينة... ومع ذلك تبيض.

مارتن (مستفَزّ):

وهل تريد أن تُصبح فيلسوف الدجاج؟

كارل (بجدية ساخرة):

بل وزيرها الأول.

الدجاجة (بصوت متقطّع):

قاقاقاااع... (ثم فجأة بصوت بشري ساخر) لقد سبقوك يا كارل، البرلمان مليء بنا.

صمت طويل. مارتن ينظر إلى الظلال مرتاباً، كارل يكمل البناء بهدوء.

مارتن (متردداً):

كارل... هل أنت بخير؟

كارل (بهدوء يشبه النبوءة):

أنا بخير يا مارتن. لكن لست متأكداً منك. ربما غداً، حين ترى الناس يزحفون نحو هذا الكوخ، ستفهم.

مارتن (ضاحكاً بعصبية):

الناس؟ إلى دجاجك؟

كارل:

إلى بيضها يا صديقي... ففي آخر المطاف، لا يحكم العالم إلا من يملك الإفطار.

تضحك الدجاجة بصوت عالٍ، يملأ المكان، فيغطي على ضحك مارتن الذي يتحوّل تدريجياً إلى سعال، ثم إلى صمت.

إظلام تدريجي.

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")