آخر ما نشر كارل!

لست متأكدا إن كنت أنا

  أشعر أحيانا أن حياتي كلها تتحرك بطريقة غريبة لا أفهمها تماما، كأنني كلما اقتربت من شيء حقيقي بداخلي، من ذلك المكان العاري الذي أخاف النظر إليه مباشرة، تبدأ الأشياء كلها بالتغيّر فجأة، وكأنني أصل دائما إلى شخص آخر يسكنني منذ سنوات طويلة، شخص لا يريد من هذه الحياة سوى أن يتبع رغباته بلا نهاية، أن يهرب من نفسه بأي طريقة ممكنة، أن يمارس الجنس مع فتاة جميلة فقط ليشعر للحظات أنه ما زال حيا، أو يشرب الجعة حتى يفقد ذلك الصوت الداخلي الذي لا يتوقف عن الكلام، أو يدخن حشيشة وراء أخرى، أو يجرّب أي شيء قادر على أن يطفئ هذا التعب الثقيل الذي يسكن قلبه. وأحيانا أنظر إليه بخوف حقيقي، لأنني لا أعرف إن كان هذا الشخص هو أنا فعلا، أم مجرد شبح نفسي تكوّن داخلي عبر السنوات، من الخيبات الصغيرة، من الوحدة، من الرغبات التي لم أفهمها، من أشياء كثيرة تراكمت بصمت حتى أصبحت جزءا مني دون أن أشعر. أجلس أحيانا أتأمله وكأنه شخص منفصل عني تماما، أراقبه وهو يأخذ كل انتباهي، يلتهم أيامي، يجعل الأشياء التي كانت مهمة بالنسبة لي تبدو بعيدة وفارغة. حتى أحلامي القديمة، تلك الأشياء التي كنت أؤمن بها بصدق، صارت تبدو كأن...

جرح ونظارة ونورة

 عينيّ العزيزتان… يا من صبرتما معي منذ 2020 دون أن تريا وجه طبيب، كنت دائمًا أعدكما بوعد رجل مسؤول: "غدًا سنزور الطبيب"، ثم يأتي الغد فأستبدله بالأسبوع القادم، والأسبوع القادم يصبح الشهر المقبل… وهكذا دخلنا موسوعة غينيس في التسويف.

لكن اليوم، 13 أغسطس، في قلب صيف طنجة الحارق، قررت أن أخرج لأفعل شيئًا بالغ الأهمية: شرب قهوة وإرسال بعض الإيميلات… الإنجاز الذي يمكن أن يُكتب في سيرتي الذاتية. خرجتُ، احتسيت القهوة وكأنني مفكر فرنسي في القرن التاسع عشر، ثم في طريقي للعودة تذكرت أن جرح إصبعي، الذي اكتسبته من معركة حامية في المطبخ ليلة البارحة ضد بصلة متمردة، ما زال بحاجة إلى لصق طبي.

وأنا أبحث عن الصيدلية، وجدت محلًا يبيع "مستلزمات طبيعية"، دخلت، استقبلتني سيدة بابتسامة من النوع الذي يجعلك تفكر أنك على وشك شراء شيء لا تحتاجه. سألتها عن اللصق الطبي، فأعطتني واحدًا، لكن عينيّ (اللتان كانتا السبب في كل القصة) تجولتا ووقعتا على نظارات طبية للقرب.

سألتها، بجدية العالم الثالث: "هل أحتاج لوصفة طبيب؟" قالت: "لا، جرب فقط حتى تجد ما يناسبك". وهكذا، جلستُ هناك كأنني أختبر سيوفًا ساموراي، أجرب زوجًا بعد الآخر، حتى وجدت ذاك الزوج الذي أشعرني أنني أستطيع قراءة عقد إيجار دون صداع. اشتريته، وخرجت منتشيًا كما لو أنني اكتشفت قارة جديدة.

لكن في الطريق، وبين كل خطوة وأخرى، كان هناك اسم يتكرر في رأسي بإلحاح مريب، كقرع طبل في منتصف الليل: "نورة… نورة… نورة". لم أعرف لماذا، لكن بدا الأمر وكأن المدينة كلها تردد الاسم معي، والريح والحرارة وضوضاء السيارات صارت كورالًا خلفيًا لهذا النشيد الغامض.

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")