آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

بيوت القلب أوسع من بيوت الحجر

 يدهشني، ولا أزال أدهش، من أولئك الذين عرفتهم صغيراً وكبيراً، أصدقاءً وأقاربَ ومعارفَ، كيف يغادرون كل صباح إلى المجهول، لا طلباً للحلم أو الشغف، بل سعياً إلى حياة يظنونها أكثر استقراراً، فيما أرواحهم تزداد قلقاً كلما ازدادت أرصدتهم.

يدهشني كيف يقدّسون المال كأنه مفتاح الفردوس، وكيف يضعونه في ميزان الحياة كأثقل ما فيها وزناً. أسمعهم يتهامسون: "ادخر… اشترِ بيتاً… اقتنِ سيارة… أَمّن مستقبلك."

أتذكّر صديقاً قال لي يوماً: "لا يمكنك أن تتزوج إلا إذا كان في جيبك عشرة ملايين."

ابتسمت في سري… كأنه كان يحدّثني عن ثمن الحب، أو عن فاتورة السعادة.

أما أنا، فقد تبعت حدسي كما يتبع النهر انحداره، لا أسأل إلى أين، ولا أطلب من أحد أن يرسم لي الطريق. صنعت لي حياة تكفيني، بلا إسراف ولا استعباد، حياة أستطيع فيها أن أمدّ يدي لمساعدة أخي وعائلتي متى استطعت، دون أن أقيّد نفسي بسلاسل الالتزامات التي يزينونها باسم "الواجب" و"الأمان".

وتعلّمت، أحياناً بمرارة، أن لا أضع ثقتي العمياء حتى في أقرب الناس إليّ. وأن أستمع إلى همس ذاتي، لا إلى صخب الجماعة. وحين يفعل المرء ذلك، يراه البعض بعين العجب، والبعض الآخر بعين الغضب، لأنك اخترت ما لم يختاروه، و أقسمت أن تحيا ما تمنّوا ولم يتجرأوا أن يحيوه.

أكتب هذا، ولا أدري لماذا. ربما لأني أشعر أن كلماتي تهاجر قبلي، تبحث عن أوطان بعيدة: إسبانيا، سويسرا، أمريكا، أيرلندا… أما أنا، فأكتفي أن أعلم أن صدقي يجد له بيتاً في قلوب غريبة، هناك حيث لا يعرفني أحد، وحيث لا يحتاج المرء إلى عشرة ملايين ليُحب أو ليُحَب.

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")