آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

قلبي بلا دليل استخدام

أندهش مني... ليس لأنني عظيم… ولا لأنني أفضل من الناس، بل لأنني لا أفهم كيف أمشي كل هذا الطريق، دون أن أعرف أين أنا، أو من أنا أحيانًا...أندهش لأنني أنجح

أعيش في مدن يتمناها الآخرون دون أن أطلبها، أتلقّى فرصًا بلا سعي مرهق، ألتقط المعنى من بين الصدفة والارتجال، وأقفز من عمل إلى عمل وكأن الحياة تفتح لي نوافذ لا أراها إلا بعد أن أمرّ منها.

ومع ذلك… أشعر أنني في مكان ما، لا زلتُ أبحثما أحببته من قلبي، ابتعدوما لم أطلبه، بقي.

هنالك من حضر لأنني أردته، ثم مضى لأن الحياة اختارته ليومٍ لا أكثر...وهنالك من بقي دون أن أحبّه، لكنه صبر على قلبي حتى اقتربت، وربما لن أحبّه أبدًا، لكنه يحبني كأنني وعدٌ تأخر عن موعده... أنا لا أفهم هذه اللعبة...أملك السلام في صدري، وأحمل الألم في تفاصيل يدي.

أبدو ناجحًا لمن يراني، لكنني لا أعرف كيف أشرح هذا النجاح، لأنه لم يكن وليد تخطيطٍ ولا سهر، بل جاءني مثل زائرٍ كريم، لا يسألني: هل تريدني؟

أنا الذي يهرب منه البعض لأنهم لا يعرفون ما يأخذونه منه، وأبقى للذين لا يأخذون مني شيئًا سوى وجوديلا أحد يعرفني تمامًا... وربما هذا عادل... فأنا نفسي لا أعرفني تمامًا...لكنني طيّب.

صدري مفتوح أكثر مما يحتمل، وقلبي يؤمن بالبشر حتى بعد أن يكسره أقربهمومن يحبني حقًا… لا يتركني تمامًا.

لكنه لا يفهمني أيضًا.

أنا الذي اختار قلبه حبًا لا يستقر، ووجد حوله حبًا لا يشبه الأحلام، لكنه يشبه الأمانوالآن… لا أعرف إن كنت سأكمل الطريق وحدي، أم سيشاركني أحدٌ هذه الدهشة التي أعيشها.

لا أدري إن كنت في قمّة النجاح، أم في قاع ما لم أسمّه بعد.

أنا لا أعرف ما أريده فعلًا… لكنني أعرف شعور النور حين يمر في صدريأعرف السكينة حين أفعل ما لا يشككني قلبي فيه.

أعرف الأمل حين لا يبقى أحد.. لا أكتب هذا لأبدو جميلًا

بل لأتذكّر أنني هنا، رغم كل ما لا أعرفه عني... أنا الذي لا يعرفني… ولكني، ما زلت أمشي.

 ك.ج 

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")