آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

أن تُرى

لوحة تجريدية، المنزل، كارل جبران

تخايل معي أنك في لحظة عابرة كنت متردّدًا: أشارك ما أنجزته اليوم أم لا؟ نظرت إلى رسومات رسمتها، أحببتها، وربما أحببت أن تُرى، أن تُحسّ، أن تتلقّى شيئًا من التقدير. لكنها لحظة حرجة، لأنك تعرف جيدًا أن المشاركة على الفايسبوك أو إنستغرام ليست كالمشاركة في مجلة أو في فضاء فكري.
 ففي تلك الفاضاءات الخاصة، تُقدّم شيئًا فكريًا أو فنيًا مدروسًا، موجّهًا لجمهور له اهتمام بالشأن الإبداعي. أما هنا، على هذه المنصات السريعة، فالأمر مختلف: هو أشبه بمائدة مفتوحة على مصراعيها، لا أحد يعدك بالاستماع، بل الكل منشغل بمائدته الخاصة.

لكنك رغم ذلك شاركت وراقبت...ولم يحدث شيء.

لا إعجاب، لا تعليق، لا تفاعل كما توقعت، ربما لا شيء سوى ذلك الشعور المألوف، ذاك الترقب الذي يتحوّل إلى فراغ. ثم محوت المنشور، وعدت إلى الأريكة. لكن شيئًا ما بقي معك، فكرة بدأت تنمو: لماذا نشعر بهذه الحاجة العميقة لإثارة الاهتمام؟ ما الذي يدفعنا للمشاركة رغم كل هذا التردد، رغم هذا الإحساس بأن أجمل الأسرار ربما تستحق أن تبقى لنا وحدنا؟

أهي الرغبة في الانتماء؟ في القبول؟ في الظهور؟ في أن نقول: "أنا هنا، أنجزت شيئًا، هل من مُنصت؟"

في الواقع، المشاركة فعل إنساني أصيل. منذ القدم، كان البشر يشاركون حكاياتهم، أهازيجهم، رسوماتهم على جدران الكهوف. الإنسان كائن يبحث عن الصدى، ليس فقط لكي يُرى، بل لكي يُفهم. المنصات الرقمية ليست سوى مرآة حديثة لهذا السلوك القديم، لكنها مرآة مخادعة: فهي تعطيك الانطباع بأنك مرئي دومًا، مسموع دائمًا، لكنك في الحقيقة قد تصرخ في الفراغ.

في نظري و أنت تفكر في المشاركة، لا تتساءل كثيرًا عن ردود الفعل. لأنك هناك لا تطلب القبول الشخصي، بل تقدم فكرتك للمعنى، للحوار، للتراكم المعرفي. أما على الفايسبوك، فالمشاركة ليست خالصة للفكرة، بل تمسّ ذاتك مباشرة، وبالتالي فإن غياب الاهتمام يُشعرك وكأن ذاتك لم تُرَ. وهذا ما يوجع.

لكن هل هذا هو الطريق الصحيح للمشاركة بين الأفراد؟ هل نربط بين الاهتمام والقبول؟ وهل نحتاج دائمًا إلى هذا التفاعل الفوري لنشعر بالانتماء؟ ألسنا في حاجة لإعادة تعريف معنى "الاهتمام" و"الظهور"؟

ربما علينا أن نميّز بين رغبة الإبداع ورغبة الاعتراف. الأولى داخلية، حرة، تغذيها الحاجة للتعبير، للتشكيل، للخلق. أما الثانية فهي متعلقة بالآخر، كيف يُقيّمني، كيف يراني، كم مرة ضغط على زر الإعجاب. الإبداع لا ينتظر تصفيقًا. لكنه في عصر المنصات قد يُختلط بالعرض، بالمنافسة، بالاحتياج للانتباه المستمر.

عل أي، لعل الطريق الصحيح للمشاركة ليس في تفاديها، بل في وعيها: أن تعرف لماذا تشارك، ولمن، وما الذي تنتظره من مشاركتك. أن تظل إبداعاتك نابعة من تلك البذرة الصافية داخلك، لا من فراغ خارجي يحتاج إلى ملء مؤقت. وإذا جاء الاهتمام، فليكن امتدادًا للجمال الذي خلقته، لا شرطًا لوجوده.

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")