آخر ما نشر كارل!

لست متأكدا إن كنت أنا

  أشعر أحيانا أن حياتي كلها تتحرك بطريقة غريبة لا أفهمها تماما، كأنني كلما اقتربت من شيء حقيقي بداخلي، من ذلك المكان العاري الذي أخاف النظر إليه مباشرة، تبدأ الأشياء كلها بالتغيّر فجأة، وكأنني أصل دائما إلى شخص آخر يسكنني منذ سنوات طويلة، شخص لا يريد من هذه الحياة سوى أن يتبع رغباته بلا نهاية، أن يهرب من نفسه بأي طريقة ممكنة، أن يمارس الجنس مع فتاة جميلة فقط ليشعر للحظات أنه ما زال حيا، أو يشرب الجعة حتى يفقد ذلك الصوت الداخلي الذي لا يتوقف عن الكلام، أو يدخن حشيشة وراء أخرى، أو يجرّب أي شيء قادر على أن يطفئ هذا التعب الثقيل الذي يسكن قلبه. وأحيانا أنظر إليه بخوف حقيقي، لأنني لا أعرف إن كان هذا الشخص هو أنا فعلا، أم مجرد شبح نفسي تكوّن داخلي عبر السنوات، من الخيبات الصغيرة، من الوحدة، من الرغبات التي لم أفهمها، من أشياء كثيرة تراكمت بصمت حتى أصبحت جزءا مني دون أن أشعر. أجلس أحيانا أتأمله وكأنه شخص منفصل عني تماما، أراقبه وهو يأخذ كل انتباهي، يلتهم أيامي، يجعل الأشياء التي كانت مهمة بالنسبة لي تبدو بعيدة وفارغة. حتى أحلامي القديمة، تلك الأشياء التي كنت أؤمن بها بصدق، صارت تبدو كأن...

نحو نور لا يزال غائمًا

اتصلت بأبي... أو لم أفعل.

اشتقتُ لأمي... أو لم أفعل.

ساعدتُ أخي أو أختي... أو تجاهلتُ النداء.

أجبتُ اتصالات العائلة أو تركتُ الهاتف صامتًا... ما الفرق؟

أشعر أن الحياة تجري كجدول لا وجهة له، وكلما حسبتُ أنني أملك الدفّة، أدركتُ أنني

مجرد عائم فوق سطحها، أقاوم الغرق بحركات حفظتها منذ الطفولة.

ربّوني على أن أقول "نعم" لكل شيء:

نعم للمناسبات،
نعم للواجبات،
نعم حتى للأشياء التي لا تشبهني.
أما "لا"... فقد جاءت متأخرة، ضعيفة، ترتجف على شفتي كطفل ضائع.

عملتُ... أو لم أعمل.
درستُ أو أجلت الدراسة.
أحببتُ أو اكتفيت بالخيال.
انتظرتُ أو تجاهلتُ المواعيد.
أعطيتُ... أو أمسكتُ يدي.
هل تغيّر شيء؟

كل شيء يسير في اتجاه واحد،
نهاية لا مفاجآت فيها،
ولا خروج منها،
كأنها لعبة وضعت قواعدها من قبل أن أولد.

أحاول أن أكتب، لا لأُبدع، بل لأتسلّل نحو بقعة من اليقين.
أحاول أن أضع إصبعي على نبض الحقيقة،
ولو للحظة...
لحظة تمنحني الإحساس بأن ما أفعله،
مهما بدا تافهًا، له ظل من المعنى.

أنا تائه بين المعنى... وضرورته.
تائه بين الحرية... وحتميّتها.
ولا أدري:
هل أبحث لأنني حقًا أريد، أم لأن البحث بحد ذاته مهرب؟

المال؟
فكرة... مجرد فكرة.
ألهث وراءها، تمتلئ يدي، لكن الشعور بالنقص يبتلعها،
فأتسائل: هل كنت أبحث عن المال، أم عن شعور بالأمان؟

الجنس؟
رغبة... نعم.
إثارة... ربما.
لكن بعد الانطفاء، يتسلل الندم،
كأنه يهمس في أذني: هل كان هذا ما تبحث عنه؟

أم أنك فقط تهرب من الوحدة؟
أم أنك تهرب من نفسك؟

أنا لا أدري...
حقًا، لا أدري.
لكنني أكتب، لأن الكتابة ربما تحملني خطوة واحدة فقط،
نحو نور لا يزال غائمًا،
نحو معنى لا زال يرفض أن يُقال...

ك.ج

 

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")