آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

نحو نور لا يزال غائمًا

اتصلت بأبي... أو لم أفعل.

اشتقتُ لأمي... أو لم أفعل.

ساعدتُ أخي أو أختي... أو تجاهلتُ النداء.

أجبتُ اتصالات العائلة أو تركتُ الهاتف صامتًا... ما الفرق؟

أشعر أن الحياة تجري كجدول لا وجهة له، وكلما حسبتُ أنني أملك الدفّة، أدركتُ أنني

مجرد عائم فوق سطحها، أقاوم الغرق بحركات حفظتها منذ الطفولة.

ربّوني على أن أقول "نعم" لكل شيء:

نعم للمناسبات،
نعم للواجبات،
نعم حتى للأشياء التي لا تشبهني.
أما "لا"... فقد جاءت متأخرة، ضعيفة، ترتجف على شفتي كطفل ضائع.

عملتُ... أو لم أعمل.
درستُ أو أجلت الدراسة.
أحببتُ أو اكتفيت بالخيال.
انتظرتُ أو تجاهلتُ المواعيد.
أعطيتُ... أو أمسكتُ يدي.
هل تغيّر شيء؟

كل شيء يسير في اتجاه واحد،
نهاية لا مفاجآت فيها،
ولا خروج منها،
كأنها لعبة وضعت قواعدها من قبل أن أولد.

أحاول أن أكتب، لا لأُبدع، بل لأتسلّل نحو بقعة من اليقين.
أحاول أن أضع إصبعي على نبض الحقيقة،
ولو للحظة...
لحظة تمنحني الإحساس بأن ما أفعله،
مهما بدا تافهًا، له ظل من المعنى.

أنا تائه بين المعنى... وضرورته.
تائه بين الحرية... وحتميّتها.
ولا أدري:
هل أبحث لأنني حقًا أريد، أم لأن البحث بحد ذاته مهرب؟

المال؟
فكرة... مجرد فكرة.
ألهث وراءها، تمتلئ يدي، لكن الشعور بالنقص يبتلعها،
فأتسائل: هل كنت أبحث عن المال، أم عن شعور بالأمان؟

الجنس؟
رغبة... نعم.
إثارة... ربما.
لكن بعد الانطفاء، يتسلل الندم،
كأنه يهمس في أذني: هل كان هذا ما تبحث عنه؟

أم أنك فقط تهرب من الوحدة؟
أم أنك تهرب من نفسك؟

أنا لا أدري...
حقًا، لا أدري.
لكنني أكتب، لأن الكتابة ربما تحملني خطوة واحدة فقط،
نحو نور لا يزال غائمًا،
نحو معنى لا زال يرفض أن يُقال...

ك.ج

 

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")