آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

حواريات مارتن و كارل: بيت في الذاكرة

رسمه كارل جبران، أقلام ملونة، دفاتر رسم، محاولات يوليوز 
 المشهد الافتتاحي:

 حوريتان تائهتان في لوحة مرسومة بأصابع طفل عبقري ومشوش، مارتن وكارل، يحومان حول بيت بني، ومربعات بألوان التعليم الإجباري.

مارتن:

هل هذا بيت؟ أم استعارة معماريّة لاحتباس الحلم؟ سقف مائل مثل ضمير معلم رياضيات، وجدار بلون الشوكولاتة التي لا يأكلها أحد.

كارل ينفث من فمه دخانًا غير موجود:

 بل هذا بيت الأسرة المتوسطة… غرفة للأمل، وأخرى للمقارنة، ومربعات نوافذ تكشف كيف يُوزَّع الحب بالتساوي بين الأطفال والمواعيد النهائية.

مارتن:

وهذا الطريق المربّع، هل يؤدي إلى خلاص ما؟ أم أنه مسار تطوير الذات في دورة على الإنترنت: "كيف تصبح أكثر فوضى وأنت ترتّب سريرك"؟

كارل:

أراه طريق التنمية البشرية، وردي في البداية، أزرق في المنتصف، وأنت تمشي عليه متوهماً أن النهاية ليست محيطاً من اللا جدوى.

مارتن:

انظر للمربعات، يا كارل. ألوانها تشبه خزانة ملابس دولة فاشلة: أصفر غامق بلا شمس، أزرق بلا بحر، وردي بلا رومانسية… فقط تخطيط مركزي وميزانية تلوين.

كارل، يضحك بمرارة:

وهذا المربع الصغير في الأسفل، عند تقاطع الطريقين، أظنه مقر الحكومة. كل شيء يصب فيه، ولا شيء يخرج منه سوى القرارات المبللة بالحبر البني.

مارتن:

نعم، مقر صنع القوانين: حيث تُخلط الألوان بالأكاذيب، وتُمرّر الموازنات تحت الطاولة الهندسية.

كارل، يتأمل اللوحة:

هل نحن جزء من هذا؟ هل نحن الطباشير نفسها؟ هل سنُمحى مع أول مطر؟ أم سنظل هنا… نمثل الموقف، لا المعنى؟

مارتن:

نحن الحوريات يا كارل… لا بجناح، ولا بماء. بل بممحاة تنتظر.

المشهد الختامي:

الصوت: طباشير تُكسر بهدوء على خشب المكتب. ثم صمت ملون.

رسمه كارل جبران، أقلام ملونة، دفاتر رسم، محاولات يوليوز 

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")