آخر ما نشر كارل!

أنا أيضا من العابرين

  بجانبي الكثير من المرايا، وحينما أحاول أن أتجاهلها لا أرى إلا انعكاسًا لظلّي. أشيح بوجهي عنها، فأجدني في زجاج النافذة، وفي ماء البحر، وفي عيون الذين مرّوا بي، وفي الأشياء التي ظننت أنني تركتها خلفي. أحاول أن أنسى أنني انعكاسٌ لكل شيء، لكل مدينة عبرتُها، لكل باب أغلقته، لكل يدٍ صافحتها ثم غابت، لكل طريق قلت عنه: لن أعود. وأعود. أخاف أن أتقبّل الأمر، أن أتقبّل أن شيئًا مني ليس لي وحدي، وأن وجهي يحمل وجوهًا كثيرة، وأن صوتي ربما ما زال يحتفظ بأصوات الذين أحببتهم، وأنني، في النهاية، مجرد سطور كتبتها مياه البحر ثم تركتها على الرمل ومضت. ولا أعرف إن كان البحر قد كتبني أم محاني. بجانبي الكثير من الذكريات، وحينما أحاول أن أنساها تأتي الأسماء. أسماء كثيرة تواجهني، تناديني كما لو أنني ما زلت هناك، كما لو أن السنوات لم تمرّ. أسماءٌ كنت أقولها كل يوم، وأسماءٌ لم أعد أجرؤ على قولها، وأسماءٌ نسيت أصوات أصحابها لكنني لم أنسَ كيف كنت أشعر حين ينادونني باسمي. ثم تأتي الأماكن. أماكن كثيرة، بصخبها، بأبوابها، بشوارعها الطويلة، تستفزني. مدينةٌ تركتُ فيها نافذة، مدينةٌ تركتُ فيها صديقًا، مدينةٌ تركتُ ف...

حواريات مارتن و كارل: بيت في الذاكرة

رسمه كارل جبران، أقلام ملونة، دفاتر رسم، محاولات يوليوز 
 المشهد الافتتاحي:

 حوريتان تائهتان في لوحة مرسومة بأصابع طفل عبقري ومشوش، مارتن وكارل، يحومان حول بيت بني، ومربعات بألوان التعليم الإجباري.

مارتن:

هل هذا بيت؟ أم استعارة معماريّة لاحتباس الحلم؟ سقف مائل مثل ضمير معلم رياضيات، وجدار بلون الشوكولاتة التي لا يأكلها أحد.

كارل ينفث من فمه دخانًا غير موجود:

 بل هذا بيت الأسرة المتوسطة… غرفة للأمل، وأخرى للمقارنة، ومربعات نوافذ تكشف كيف يُوزَّع الحب بالتساوي بين الأطفال والمواعيد النهائية.

مارتن:

وهذا الطريق المربّع، هل يؤدي إلى خلاص ما؟ أم أنه مسار تطوير الذات في دورة على الإنترنت: "كيف تصبح أكثر فوضى وأنت ترتّب سريرك"؟

كارل:

أراه طريق التنمية البشرية، وردي في البداية، أزرق في المنتصف، وأنت تمشي عليه متوهماً أن النهاية ليست محيطاً من اللا جدوى.

مارتن:

انظر للمربعات، يا كارل. ألوانها تشبه خزانة ملابس دولة فاشلة: أصفر غامق بلا شمس، أزرق بلا بحر، وردي بلا رومانسية… فقط تخطيط مركزي وميزانية تلوين.

كارل، يضحك بمرارة:

وهذا المربع الصغير في الأسفل، عند تقاطع الطريقين، أظنه مقر الحكومة. كل شيء يصب فيه، ولا شيء يخرج منه سوى القرارات المبللة بالحبر البني.

مارتن:

نعم، مقر صنع القوانين: حيث تُخلط الألوان بالأكاذيب، وتُمرّر الموازنات تحت الطاولة الهندسية.

كارل، يتأمل اللوحة:

هل نحن جزء من هذا؟ هل نحن الطباشير نفسها؟ هل سنُمحى مع أول مطر؟ أم سنظل هنا… نمثل الموقف، لا المعنى؟

مارتن:

نحن الحوريات يا كارل… لا بجناح، ولا بماء. بل بممحاة تنتظر.

المشهد الختامي:

الصوت: طباشير تُكسر بهدوء على خشب المكتب. ثم صمت ملون.

رسمه كارل جبران، أقلام ملونة، دفاتر رسم، محاولات يوليوز 

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")