آخر ما نشر كارل!

لست متأكدا إن كنت أنا

  أشعر أحيانا أن حياتي كلها تتحرك بطريقة غريبة لا أفهمها تماما، كأنني كلما اقتربت من شيء حقيقي بداخلي، من ذلك المكان العاري الذي أخاف النظر إليه مباشرة، تبدأ الأشياء كلها بالتغيّر فجأة، وكأنني أصل دائما إلى شخص آخر يسكنني منذ سنوات طويلة، شخص لا يريد من هذه الحياة سوى أن يتبع رغباته بلا نهاية، أن يهرب من نفسه بأي طريقة ممكنة، أن يمارس الجنس مع فتاة جميلة فقط ليشعر للحظات أنه ما زال حيا، أو يشرب الجعة حتى يفقد ذلك الصوت الداخلي الذي لا يتوقف عن الكلام، أو يدخن حشيشة وراء أخرى، أو يجرّب أي شيء قادر على أن يطفئ هذا التعب الثقيل الذي يسكن قلبه. وأحيانا أنظر إليه بخوف حقيقي، لأنني لا أعرف إن كان هذا الشخص هو أنا فعلا، أم مجرد شبح نفسي تكوّن داخلي عبر السنوات، من الخيبات الصغيرة، من الوحدة، من الرغبات التي لم أفهمها، من أشياء كثيرة تراكمت بصمت حتى أصبحت جزءا مني دون أن أشعر. أجلس أحيانا أتأمله وكأنه شخص منفصل عني تماما، أراقبه وهو يأخذ كل انتباهي، يلتهم أيامي، يجعل الأشياء التي كانت مهمة بالنسبة لي تبدو بعيدة وفارغة. حتى أحلامي القديمة، تلك الأشياء التي كنت أؤمن بها بصدق، صارت تبدو كأن...

حواريات مارتن و كارل: هامش المعنى، حاشية الفراغ

المشهد:

مارتن وكارل يجلسان على الأرض، يحيط بهما فوضى من ألوان، فرش، قصاصات صحف، ولوحات نصف مكتملة، وبعضها مقلوب رأسًا على عقب.

الخلفية: مرآة مشروخة.

الضوء يأتي من شمعة... تذوب دون استعجال.

مارتن:

هل تظن أن ضربتك الأخيرة كانت عنيفة بما يكفي لتُقنع الوجود أنه ليس بحاجة إلى شكل؟

كارل:

لم أقصد إقناع الوجود، بل أن أُربكه... أردت أن يشعر للحظة بأنه مرسوم مثلي، لا حقيقيّ كما يدّعي.

مارتن:

لكن اللوحة؟ لا شكل فيها، لا معنى، لا حتى حدود!

كارل (يضحك):

وهل رأيت العالم اليوم؟ كلما زاد فيه "المعنى"، ازداد فراغه... لوحاتي لا تُظهر الحقيقة، بل تفضح الادّعاء بأن هناك واحدة.

مارتن (يأخذ فرشاة):

وماذا عن اللون؟ كل هذا البني؟ كأنك تغمّس العالم في قهوة بائتة.

كارل:

إنه لون الصمت حين يُقال...ثم، أليست قهوتنا نحن يا مارتن، أجمل ما ننتجه من مرارة؟

مارتن:

لكن ألا تخشى أن يقول الناس: هذا لا يعرف الرسم؟

كارل (يهمس ويبتسم):

بل أرجو أن يقولوا ذلك...لأنني لو عرفت الرسم كما يريدون، لكنت نسيت لماذا أمسكت الفرشاة أول مرة.

مارتن (يتأمل إحدى اللوحات):

أتعرف؟ هذه تبدو كأنها صرخة، ولكن مكتومة...كأن أحدهم حاول قول شيءٍ وهو يختنق.

كارل:

هكذا يرسم الحدس...ليس ليوضّح، بل ليختنق بأناقة.

مارتن:

والدادية؟ هل هي السبب في أنك لصقت علبة سردين في وسط لوحة عن "الفراغ الوجودي"؟

كارل:

بل العلبة هي البطلة الحقيقية...الفراغ لا يُفهم إلا إذا وُضع فوقه شيء سخيف.

مارتن (ساخرًا):

وهكذا يصبح العبث حكيمًا!

كارل:

والفن نوع من "العبث المتأمل"، أليس كذلك؟...كأن ترسم حلمًا لا تفهمه، ثم تبكي عندما تكتشف أنك كنت تقصده منذ البداية...

مارتن:

وهل تريد أن تُعرض هذه اللوحات في متحف؟

كارل:

بل أريد أن تُعلّق في ذاكرة طفل، أو في جدار قديم في حيّ لا أحد يزوره...المتحف يجعل الأشياء محترمة...وأنا لا أثق في الاحترام كثيرًا.

مارتن (ينظر في مرآة مشروخة):

هل ترى هذه الكسور؟ تُشبه تمامًا خطوطك في اللوحة الأخيرة

كارل:

لأنني لا أرسم ما أرى...بل أستخدم الرؤية لأرسم ما كُسر داخليّ.

مارتن (بصوت منخفض):

ربما، في النهاية، الرسم ليس سوى طريقة أنيقة للنجاة من الفهم

كارل:

تمامًا يا مارتن...الرسم الحقيقي ليس أن تفهم، بل أن تحتمل الجهل الجميل.

نهاية المشهد:

اللوحة التي بينهما تحترق، دون أن ينتبها...وهما يواصلان الحوار، كأنّ ما يُقال أكثر بقاءً مما يُرسم.

ك.ج

تعليقات