آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

حواريات مارتن و كارل: هامش المعنى، حاشية الفراغ

المشهد:

مارتن وكارل يجلسان على الأرض، يحيط بهما فوضى من ألوان، فرش، قصاصات صحف، ولوحات نصف مكتملة، وبعضها مقلوب رأسًا على عقب.

الخلفية: مرآة مشروخة.

الضوء يأتي من شمعة... تذوب دون استعجال.

مارتن:

هل تظن أن ضربتك الأخيرة كانت عنيفة بما يكفي لتُقنع الوجود أنه ليس بحاجة إلى شكل؟

كارل:

لم أقصد إقناع الوجود، بل أن أُربكه... أردت أن يشعر للحظة بأنه مرسوم مثلي، لا حقيقيّ كما يدّعي.

مارتن:

لكن اللوحة؟ لا شكل فيها، لا معنى، لا حتى حدود!

كارل (يضحك):

وهل رأيت العالم اليوم؟ كلما زاد فيه "المعنى"، ازداد فراغه... لوحاتي لا تُظهر الحقيقة، بل تفضح الادّعاء بأن هناك واحدة.

مارتن (يأخذ فرشاة):

وماذا عن اللون؟ كل هذا البني؟ كأنك تغمّس العالم في قهوة بائتة.

كارل:

إنه لون الصمت حين يُقال...ثم، أليست قهوتنا نحن يا مارتن، أجمل ما ننتجه من مرارة؟

مارتن:

لكن ألا تخشى أن يقول الناس: هذا لا يعرف الرسم؟

كارل (يهمس ويبتسم):

بل أرجو أن يقولوا ذلك...لأنني لو عرفت الرسم كما يريدون، لكنت نسيت لماذا أمسكت الفرشاة أول مرة.

مارتن (يتأمل إحدى اللوحات):

أتعرف؟ هذه تبدو كأنها صرخة، ولكن مكتومة...كأن أحدهم حاول قول شيءٍ وهو يختنق.

كارل:

هكذا يرسم الحدس...ليس ليوضّح، بل ليختنق بأناقة.

مارتن:

والدادية؟ هل هي السبب في أنك لصقت علبة سردين في وسط لوحة عن "الفراغ الوجودي"؟

كارل:

بل العلبة هي البطلة الحقيقية...الفراغ لا يُفهم إلا إذا وُضع فوقه شيء سخيف.

مارتن (ساخرًا):

وهكذا يصبح العبث حكيمًا!

كارل:

والفن نوع من "العبث المتأمل"، أليس كذلك؟...كأن ترسم حلمًا لا تفهمه، ثم تبكي عندما تكتشف أنك كنت تقصده منذ البداية...

مارتن:

وهل تريد أن تُعرض هذه اللوحات في متحف؟

كارل:

بل أريد أن تُعلّق في ذاكرة طفل، أو في جدار قديم في حيّ لا أحد يزوره...المتحف يجعل الأشياء محترمة...وأنا لا أثق في الاحترام كثيرًا.

مارتن (ينظر في مرآة مشروخة):

هل ترى هذه الكسور؟ تُشبه تمامًا خطوطك في اللوحة الأخيرة

كارل:

لأنني لا أرسم ما أرى...بل أستخدم الرؤية لأرسم ما كُسر داخليّ.

مارتن (بصوت منخفض):

ربما، في النهاية، الرسم ليس سوى طريقة أنيقة للنجاة من الفهم

كارل:

تمامًا يا مارتن...الرسم الحقيقي ليس أن تفهم، بل أن تحتمل الجهل الجميل.

نهاية المشهد:

اللوحة التي بينهما تحترق، دون أن ينتبها...وهما يواصلان الحوار، كأنّ ما يُقال أكثر بقاءً مما يُرسم.

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")