آخر ما نشر كارل!

أنا أيضا من العابرين

  بجانبي الكثير من المرايا، وحينما أحاول أن أتجاهلها لا أرى إلا انعكاسًا لظلّي. أشيح بوجهي عنها، فأجدني في زجاج النافذة، وفي ماء البحر، وفي عيون الذين مرّوا بي، وفي الأشياء التي ظننت أنني تركتها خلفي. أحاول أن أنسى أنني انعكاسٌ لكل شيء، لكل مدينة عبرتُها، لكل باب أغلقته، لكل يدٍ صافحتها ثم غابت، لكل طريق قلت عنه: لن أعود. وأعود. أخاف أن أتقبّل الأمر، أن أتقبّل أن شيئًا مني ليس لي وحدي، وأن وجهي يحمل وجوهًا كثيرة، وأن صوتي ربما ما زال يحتفظ بأصوات الذين أحببتهم، وأنني، في النهاية، مجرد سطور كتبتها مياه البحر ثم تركتها على الرمل ومضت. ولا أعرف إن كان البحر قد كتبني أم محاني. بجانبي الكثير من الذكريات، وحينما أحاول أن أنساها تأتي الأسماء. أسماء كثيرة تواجهني، تناديني كما لو أنني ما زلت هناك، كما لو أن السنوات لم تمرّ. أسماءٌ كنت أقولها كل يوم، وأسماءٌ لم أعد أجرؤ على قولها، وأسماءٌ نسيت أصوات أصحابها لكنني لم أنسَ كيف كنت أشعر حين ينادونني باسمي. ثم تأتي الأماكن. أماكن كثيرة، بصخبها، بأبوابها، بشوارعها الطويلة، تستفزني. مدينةٌ تركتُ فيها نافذة، مدينةٌ تركتُ فيها صديقًا، مدينةٌ تركتُ ف...

حواريات مارتن و كارل: هامش المعنى، حاشية الفراغ

المشهد:

مارتن وكارل يجلسان على الأرض، يحيط بهما فوضى من ألوان، فرش، قصاصات صحف، ولوحات نصف مكتملة، وبعضها مقلوب رأسًا على عقب.

الخلفية: مرآة مشروخة.

الضوء يأتي من شمعة... تذوب دون استعجال.

مارتن:

هل تظن أن ضربتك الأخيرة كانت عنيفة بما يكفي لتُقنع الوجود أنه ليس بحاجة إلى شكل؟

كارل:

لم أقصد إقناع الوجود، بل أن أُربكه... أردت أن يشعر للحظة بأنه مرسوم مثلي، لا حقيقيّ كما يدّعي.

مارتن:

لكن اللوحة؟ لا شكل فيها، لا معنى، لا حتى حدود!

كارل (يضحك):

وهل رأيت العالم اليوم؟ كلما زاد فيه "المعنى"، ازداد فراغه... لوحاتي لا تُظهر الحقيقة، بل تفضح الادّعاء بأن هناك واحدة.

مارتن (يأخذ فرشاة):

وماذا عن اللون؟ كل هذا البني؟ كأنك تغمّس العالم في قهوة بائتة.

كارل:

إنه لون الصمت حين يُقال...ثم، أليست قهوتنا نحن يا مارتن، أجمل ما ننتجه من مرارة؟

مارتن:

لكن ألا تخشى أن يقول الناس: هذا لا يعرف الرسم؟

كارل (يهمس ويبتسم):

بل أرجو أن يقولوا ذلك...لأنني لو عرفت الرسم كما يريدون، لكنت نسيت لماذا أمسكت الفرشاة أول مرة.

مارتن (يتأمل إحدى اللوحات):

أتعرف؟ هذه تبدو كأنها صرخة، ولكن مكتومة...كأن أحدهم حاول قول شيءٍ وهو يختنق.

كارل:

هكذا يرسم الحدس...ليس ليوضّح، بل ليختنق بأناقة.

مارتن:

والدادية؟ هل هي السبب في أنك لصقت علبة سردين في وسط لوحة عن "الفراغ الوجودي"؟

كارل:

بل العلبة هي البطلة الحقيقية...الفراغ لا يُفهم إلا إذا وُضع فوقه شيء سخيف.

مارتن (ساخرًا):

وهكذا يصبح العبث حكيمًا!

كارل:

والفن نوع من "العبث المتأمل"، أليس كذلك؟...كأن ترسم حلمًا لا تفهمه، ثم تبكي عندما تكتشف أنك كنت تقصده منذ البداية...

مارتن:

وهل تريد أن تُعرض هذه اللوحات في متحف؟

كارل:

بل أريد أن تُعلّق في ذاكرة طفل، أو في جدار قديم في حيّ لا أحد يزوره...المتحف يجعل الأشياء محترمة...وأنا لا أثق في الاحترام كثيرًا.

مارتن (ينظر في مرآة مشروخة):

هل ترى هذه الكسور؟ تُشبه تمامًا خطوطك في اللوحة الأخيرة

كارل:

لأنني لا أرسم ما أرى...بل أستخدم الرؤية لأرسم ما كُسر داخليّ.

مارتن (بصوت منخفض):

ربما، في النهاية، الرسم ليس سوى طريقة أنيقة للنجاة من الفهم

كارل:

تمامًا يا مارتن...الرسم الحقيقي ليس أن تفهم، بل أن تحتمل الجهل الجميل.

نهاية المشهد:

اللوحة التي بينهما تحترق، دون أن ينتبها...وهما يواصلان الحوار، كأنّ ما يُقال أكثر بقاءً مما يُرسم.

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")