آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

أنا لا أطلب شفاءً من الألم..

هيا، فلنحرق هذا الحاجز الزجاجي بين الداخل والخارج،

لنمزّق ورقة التعليمات التي يوزعونها علينا منذ الطفولة،
أنا لا أريد أن أكون مثالياً ولا فوضويًا،
أريد فقط أن أكون حيًّا، صادقًا، ولو للحظة دون خوف.

لقد تعبت من عدّ الخطايا التي لم أرتكبها،
ومن تكديس الفضائل في رفوف ذاكرتي كأنني بقالٌ يبيع الأخلاق.
أي فن هذا الذي يجعل من النقاء قيدًا؟
ومن الحلم جريمة؟
لماذا يخيفهم أن أكون أنا… مجرد أنا؟

أنا لا أطلب الكثير
بعض الصمت لأسمع صوتي،
بعض الليل لأحلم دون رقابة،
وبعض النور لا يفضح وجعي.
أنا لا أطلب شفاءً من الألم،
بل أطلب إذنًا بأن أتألم، دون أن يقال لي: "تشجّع، كن قويًا".

أنا أبحث عن زاوية ناعمة في هذا العالم الحاد،
عن لغة لا تبدأ بـ "يجب" وتنتهي بـ "لكن".
عن مكان أضع فيه رأسي دون أن أبرّر لماذا أنا مرهق،
عن سؤال لا يلزمني بجواب فوري،
وعن حرية لا يضعون لها شروط الاستخدام
.

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")