آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

حواريات مارتن و كارل: الوقت الذي نسجل فيه غيابنا...

المشهد:

ليلٌ خفيف، مقعد خشبي في منتصف غرفة قديمة.

كارل يجلس كعادته، نصف مطفأ، يقرأ شيئًا دون عنوان.

مارتن يدخل مترددًا، في يده دفتر مغطى بالغبار.

مارتن:

واقفًا عند العتبة

كارل...

هل يمكن أن يوجد شخص دون اسم؟

كارل:

يرفع عينيه دون أن يبتسم

يحدث ذلك كثيرًا...

الاسم مجرد اتفاق، ما دونَه هو الأهم.

مارتن:

يتقدم ببطء، صوته منخفض كمن يعترف

أعتقد أنني فقدت اسمي هذا الصباح.

استيقظت... فلم أجد شيئًا يناديني.

كارل:

ربما لأنك صرت أكثر من اسم.

حين تبتعد كفاية، تتلاشى العلامات.

مارتن:

لكني لست بعيدًا... أنا هنا.

أراك، أسمعك... أتكلم حتى...

فلماذا لا أشعر بأنني أنا؟

كارل:

لأنك لا تحتاج أن تشعر.

أنت تظن أن الوعي علامة حياة...

لكن بعض الكائنات الحية لا تعرف أنها حية، ومع ذلك... تنمو.

مارتن:

يجلس بقربه، يفتح الدفتر

وجدت هذا النص بخطّي، ولا أذكر أنني كتبته.

يبدأ بجملة: "رحلتُ عن نفسي لأجدها تحت نافذة أخرى."

كارل:

ينظر إليه بهدوء

هذه النافذة... هل كانت مفتوحة؟

مارتن:

لا أظن...

ربما كانت ستائرها تتحرك من نسيمٍ داخلي...

كارل:

إذًا، لم ترحل.

بل عُدت.

لكنك عدت من زاوية لم تتوقعها.

مارتن:

يحدق إليه طويلا

هل تعرف كم مرة قلتَ لي الحقيقة، دون أن أُدرك؟

كارل:

ينظر إلى الدفتر

الحقيقة لا تُقال يا مارتن...

هي فقط تُنسى، ثم تُكتب من جديد.

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")