آخر ما نشر كارل!

لست متأكدا إن كنت أنا

  أشعر أحيانا أن حياتي كلها تتحرك بطريقة غريبة لا أفهمها تماما، كأنني كلما اقتربت من شيء حقيقي بداخلي، من ذلك المكان العاري الذي أخاف النظر إليه مباشرة، تبدأ الأشياء كلها بالتغيّر فجأة، وكأنني أصل دائما إلى شخص آخر يسكنني منذ سنوات طويلة، شخص لا يريد من هذه الحياة سوى أن يتبع رغباته بلا نهاية، أن يهرب من نفسه بأي طريقة ممكنة، أن يمارس الجنس مع فتاة جميلة فقط ليشعر للحظات أنه ما زال حيا، أو يشرب الجعة حتى يفقد ذلك الصوت الداخلي الذي لا يتوقف عن الكلام، أو يدخن حشيشة وراء أخرى، أو يجرّب أي شيء قادر على أن يطفئ هذا التعب الثقيل الذي يسكن قلبه. وأحيانا أنظر إليه بخوف حقيقي، لأنني لا أعرف إن كان هذا الشخص هو أنا فعلا، أم مجرد شبح نفسي تكوّن داخلي عبر السنوات، من الخيبات الصغيرة، من الوحدة، من الرغبات التي لم أفهمها، من أشياء كثيرة تراكمت بصمت حتى أصبحت جزءا مني دون أن أشعر. أجلس أحيانا أتأمله وكأنه شخص منفصل عني تماما، أراقبه وهو يأخذ كل انتباهي، يلتهم أيامي، يجعل الأشياء التي كانت مهمة بالنسبة لي تبدو بعيدة وفارغة. حتى أحلامي القديمة، تلك الأشياء التي كنت أؤمن بها بصدق، صارت تبدو كأن...

حواريات مارتن و كارل: الوقت الذي نسجل فيه غيابنا...

المشهد:

ليلٌ خفيف، مقعد خشبي في منتصف غرفة قديمة.

كارل يجلس كعادته، نصف مطفأ، يقرأ شيئًا دون عنوان.

مارتن يدخل مترددًا، في يده دفتر مغطى بالغبار.

مارتن:

واقفًا عند العتبة

كارل...

هل يمكن أن يوجد شخص دون اسم؟

كارل:

يرفع عينيه دون أن يبتسم

يحدث ذلك كثيرًا...

الاسم مجرد اتفاق، ما دونَه هو الأهم.

مارتن:

يتقدم ببطء، صوته منخفض كمن يعترف

أعتقد أنني فقدت اسمي هذا الصباح.

استيقظت... فلم أجد شيئًا يناديني.

كارل:

ربما لأنك صرت أكثر من اسم.

حين تبتعد كفاية، تتلاشى العلامات.

مارتن:

لكني لست بعيدًا... أنا هنا.

أراك، أسمعك... أتكلم حتى...

فلماذا لا أشعر بأنني أنا؟

كارل:

لأنك لا تحتاج أن تشعر.

أنت تظن أن الوعي علامة حياة...

لكن بعض الكائنات الحية لا تعرف أنها حية، ومع ذلك... تنمو.

مارتن:

يجلس بقربه، يفتح الدفتر

وجدت هذا النص بخطّي، ولا أذكر أنني كتبته.

يبدأ بجملة: "رحلتُ عن نفسي لأجدها تحت نافذة أخرى."

كارل:

ينظر إليه بهدوء

هذه النافذة... هل كانت مفتوحة؟

مارتن:

لا أظن...

ربما كانت ستائرها تتحرك من نسيمٍ داخلي...

كارل:

إذًا، لم ترحل.

بل عُدت.

لكنك عدت من زاوية لم تتوقعها.

مارتن:

يحدق إليه طويلا

هل تعرف كم مرة قلتَ لي الحقيقة، دون أن أُدرك؟

كارل:

ينظر إلى الدفتر

الحقيقة لا تُقال يا مارتن...

هي فقط تُنسى، ثم تُكتب من جديد.

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")