آخر ما نشر كارل!

أنا أيضا من العابرين

  بجانبي الكثير من المرايا، وحينما أحاول أن أتجاهلها لا أرى إلا انعكاسًا لظلّي. أشيح بوجهي عنها، فأجدني في زجاج النافذة، وفي ماء البحر، وفي عيون الذين مرّوا بي، وفي الأشياء التي ظننت أنني تركتها خلفي. أحاول أن أنسى أنني انعكاسٌ لكل شيء، لكل مدينة عبرتُها، لكل باب أغلقته، لكل يدٍ صافحتها ثم غابت، لكل طريق قلت عنه: لن أعود. وأعود. أخاف أن أتقبّل الأمر، أن أتقبّل أن شيئًا مني ليس لي وحدي، وأن وجهي يحمل وجوهًا كثيرة، وأن صوتي ربما ما زال يحتفظ بأصوات الذين أحببتهم، وأنني، في النهاية، مجرد سطور كتبتها مياه البحر ثم تركتها على الرمل ومضت. ولا أعرف إن كان البحر قد كتبني أم محاني. بجانبي الكثير من الذكريات، وحينما أحاول أن أنساها تأتي الأسماء. أسماء كثيرة تواجهني، تناديني كما لو أنني ما زلت هناك، كما لو أن السنوات لم تمرّ. أسماءٌ كنت أقولها كل يوم، وأسماءٌ لم أعد أجرؤ على قولها، وأسماءٌ نسيت أصوات أصحابها لكنني لم أنسَ كيف كنت أشعر حين ينادونني باسمي. ثم تأتي الأماكن. أماكن كثيرة، بصخبها، بأبوابها، بشوارعها الطويلة، تستفزني. مدينةٌ تركتُ فيها نافذة، مدينةٌ تركتُ فيها صديقًا، مدينةٌ تركتُ ف...

حواريات مارتن و كارل: الوقت الذي نسجل فيه غيابنا...

المشهد:

ليلٌ خفيف، مقعد خشبي في منتصف غرفة قديمة.

كارل يجلس كعادته، نصف مطفأ، يقرأ شيئًا دون عنوان.

مارتن يدخل مترددًا، في يده دفتر مغطى بالغبار.

مارتن:

واقفًا عند العتبة

كارل...

هل يمكن أن يوجد شخص دون اسم؟

كارل:

يرفع عينيه دون أن يبتسم

يحدث ذلك كثيرًا...

الاسم مجرد اتفاق، ما دونَه هو الأهم.

مارتن:

يتقدم ببطء، صوته منخفض كمن يعترف

أعتقد أنني فقدت اسمي هذا الصباح.

استيقظت... فلم أجد شيئًا يناديني.

كارل:

ربما لأنك صرت أكثر من اسم.

حين تبتعد كفاية، تتلاشى العلامات.

مارتن:

لكني لست بعيدًا... أنا هنا.

أراك، أسمعك... أتكلم حتى...

فلماذا لا أشعر بأنني أنا؟

كارل:

لأنك لا تحتاج أن تشعر.

أنت تظن أن الوعي علامة حياة...

لكن بعض الكائنات الحية لا تعرف أنها حية، ومع ذلك... تنمو.

مارتن:

يجلس بقربه، يفتح الدفتر

وجدت هذا النص بخطّي، ولا أذكر أنني كتبته.

يبدأ بجملة: "رحلتُ عن نفسي لأجدها تحت نافذة أخرى."

كارل:

ينظر إليه بهدوء

هذه النافذة... هل كانت مفتوحة؟

مارتن:

لا أظن...

ربما كانت ستائرها تتحرك من نسيمٍ داخلي...

كارل:

إذًا، لم ترحل.

بل عُدت.

لكنك عدت من زاوية لم تتوقعها.

مارتن:

يحدق إليه طويلا

هل تعرف كم مرة قلتَ لي الحقيقة، دون أن أُدرك؟

كارل:

ينظر إلى الدفتر

الحقيقة لا تُقال يا مارتن...

هي فقط تُنسى، ثم تُكتب من جديد.

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")