آخر ما نشر كارل!

لست متأكدا إن كنت أنا

  أشعر أحيانا أن حياتي كلها تتحرك بطريقة غريبة لا أفهمها تماما، كأنني كلما اقتربت من شيء حقيقي بداخلي، من ذلك المكان العاري الذي أخاف النظر إليه مباشرة، تبدأ الأشياء كلها بالتغيّر فجأة، وكأنني أصل دائما إلى شخص آخر يسكنني منذ سنوات طويلة، شخص لا يريد من هذه الحياة سوى أن يتبع رغباته بلا نهاية، أن يهرب من نفسه بأي طريقة ممكنة، أن يمارس الجنس مع فتاة جميلة فقط ليشعر للحظات أنه ما زال حيا، أو يشرب الجعة حتى يفقد ذلك الصوت الداخلي الذي لا يتوقف عن الكلام، أو يدخن حشيشة وراء أخرى، أو يجرّب أي شيء قادر على أن يطفئ هذا التعب الثقيل الذي يسكن قلبه. وأحيانا أنظر إليه بخوف حقيقي، لأنني لا أعرف إن كان هذا الشخص هو أنا فعلا، أم مجرد شبح نفسي تكوّن داخلي عبر السنوات، من الخيبات الصغيرة، من الوحدة، من الرغبات التي لم أفهمها، من أشياء كثيرة تراكمت بصمت حتى أصبحت جزءا مني دون أن أشعر. أجلس أحيانا أتأمله وكأنه شخص منفصل عني تماما، أراقبه وهو يأخذ كل انتباهي، يلتهم أيامي، يجعل الأشياء التي كانت مهمة بالنسبة لي تبدو بعيدة وفارغة. حتى أحلامي القديمة، تلك الأشياء التي كنت أؤمن بها بصدق، صارت تبدو كأن...

أنا لا أملك اليقين، لكن...

 أريد أن أقبل هذا العالم،

أقبله كما يُطرح عليّ في الكتب،
في المواعظ،
في النشرات الاقتصادية،
في الأغاني،
وفي الإعلانات التي تبشّرني أنني بخير إن اشتريت.

لكني لا أستطيع.
لا أستطيع أن أقتنع أنني جئت إلى هنا فقط لأتعلم كيف أتأقلم.
أن أدرس، أعمل، أؤسس مستقبلًا، أستهلك، أتكاثر، وأموت.
كأن الحياة مصنع...
وأنا مجرد موظف مؤقت فيه.

لا.
مهما كان ثمن هذا الرفض، هذا البوح،
أنا... وكل من يشبهني في الصمت والشك والشجاعة،
جئنا لهذا العالم لنبصم، لا لنُدمج.
جئنا لنترك أثرًا، لا لنكرّر آثار من قبلنا.

أنا وثقتُ بالحب،
منحته كل إرادتي، كل ما فيّ من صدق.
وقلتُ: ربما هذا هو المدخل...
مدخل المعنى.

تعلمت لغات عديدة،
لا لأتباهى بها،
بل لأفتح نوافذ جديدة على الآخر.
أردت أن أكون مفيدًا،
أن أضيف شيئًا لهذا العالم،
مهما كان بسيطًا.

لكن ماذا حدث؟
لا شيء.
كأن العالم أطرش...
كأن المحاولة لا تُجدي،
كأن النظام أقوى من النية.

صرنا نولد، نعيش، نموت،
من أجل فكرة كبرى اسمها "استمرار المجتمع"،
أو "حماية القيم"،
أو "تحقيق التنمية"،
ولا أحد يسأل: من المستفيد الحقيقي؟
ومن الضحية؟

الدين يغذّي فكرة أن المسعى الحقيقي هو العبادة...
لكن أي عبادة؟
هل العبادة انفصال عن الحياة، أم عمق فيها؟

الاقتصاد يهمس لك أن مسعى الحياة هو المال،
أن تعمل، لتربح، لتشتري، لتعيش، لتكبر، لتموت...
ثم يكرَّر السيناريو على جيل آخر.

والفن؟
كان المأوى،
ثم صار مرآة كبيرة للذات، تدور حول نفسها حتى تدوخ.
صار الفن استعراضًا أكثر من كونه استكشافًا.

وأنا؟
أنا أرى كل هذا...
وأشعر أن هناك شيئًا غير صحيح.
لا أملك الدليل، لكنني أشعر.

الصحيح؟
مجهول.
أو ربما مخفي،
مغلفٌ بطبقات من الأكاذيب الجميلة،
التي صنعتها الأنظمة، والمؤسسات، والأفكار الكبرى،
كي لا نكسر زجاجة وهم هذا العالم.

لعلنا لو عرفنا الحقيقة،
لو رأيناها بلا أقنعة،
لانهارت المسرحية،
وانهارت معها كل تلك الأدوار التي اعتدنا أن نلعبها ونحن نعتقد أننا أحرار.

أنا لا أملك اليقين،
لكني لا أستطيع أن أقبل الأكاذيب.
وسأظل أبحث...
ربما لا أصل.
لكن على الأقل، لن أموت نائمًا في حضن الوهم.

ك.ج 

 

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")