آخر ما نشر كارل!

لست متأكدا إن كنت أنا

  أشعر أحيانا أن حياتي كلها تتحرك بطريقة غريبة لا أفهمها تماما، كأنني كلما اقتربت من شيء حقيقي بداخلي، من ذلك المكان العاري الذي أخاف النظر إليه مباشرة، تبدأ الأشياء كلها بالتغيّر فجأة، وكأنني أصل دائما إلى شخص آخر يسكنني منذ سنوات طويلة، شخص لا يريد من هذه الحياة سوى أن يتبع رغباته بلا نهاية، أن يهرب من نفسه بأي طريقة ممكنة، أن يمارس الجنس مع فتاة جميلة فقط ليشعر للحظات أنه ما زال حيا، أو يشرب الجعة حتى يفقد ذلك الصوت الداخلي الذي لا يتوقف عن الكلام، أو يدخن حشيشة وراء أخرى، أو يجرّب أي شيء قادر على أن يطفئ هذا التعب الثقيل الذي يسكن قلبه. وأحيانا أنظر إليه بخوف حقيقي، لأنني لا أعرف إن كان هذا الشخص هو أنا فعلا، أم مجرد شبح نفسي تكوّن داخلي عبر السنوات، من الخيبات الصغيرة، من الوحدة، من الرغبات التي لم أفهمها، من أشياء كثيرة تراكمت بصمت حتى أصبحت جزءا مني دون أن أشعر. أجلس أحيانا أتأمله وكأنه شخص منفصل عني تماما، أراقبه وهو يأخذ كل انتباهي، يلتهم أيامي، يجعل الأشياء التي كانت مهمة بالنسبة لي تبدو بعيدة وفارغة. حتى أحلامي القديمة، تلك الأشياء التي كنت أؤمن بها بصدق، صارت تبدو كأن...

أنا ذئب... و انتهى الأمر.

ها أنتَ، يا حكيم، كلما دنوت من الناس، اقتطعوا منك شيئًا، وكأن اقترابك يُكلفك أجزاءً من ذاتك. لا لأنك أخطأت، بل لأنك لم تكن على مقاس خيالاتهم. وكأنك مسؤول عن خذلان الصورة التي رسموها عنك، لا عن حقيقتك.


يُحملونك ما لا تُطيق، يحمّلون روحك أثقالًا من ظنونهم، ينسجونك من احتياجاتهم، لا من حقيقتك. يريدونك صوتًا يُردد صداهم، لا صوتًا يُنصت إلى أعماقه.


وإذا أظهرت تعبك، صمتوا كي لا يسمعوه. وإذا التزمتَ الصمت، لاموك على الجفاء. وإذا ضحكت، قالوا: "ها هو بخير!"، ونسوا جراحك كأنها لم تكن. وإن بكيت، استعجلوا شفائك، وطلبوا منك أن "تتماسك"، لأن ألمك يُربك توازنهم.


أتُراني مُجبرًا أن أكون الكتف الذي لا يسندُه أحد؟ أتوجب عليَّ أن أشرح ما لا يُشرح، أن أُفسّر وجعي ألف مرة دون أن يُفهم؟


قلبي لم يعد مسكنًا للدفء، بل متحفًا لأحكام جاهزة، لصورٍ وُضعت باسمي ولم أكن شاهدًا على رسمها. صورٌ لا تُشبهني، لكنها تُقيّدني.


وكلما عفوت، مُسحَت خطواتي. وكلما قررت الصمت، سُلبت مواقفي. بات انسحابي يُفسر كخواء، لا كحكمة.


الوحدة لم تعد عزلة، بل صارت سياجًا يُنقذني من سقوط آخر. صارت ملاذًا أختاره لا هروبًا، بل وفاءً لنفسي.


اليوم، لا مكان للمجاملات التي تجرح. لا حاجة بي إلى إثبات نُبل اختياراتي لمن لا يُدرك عمقها. لا مبرر بعد الآن لتجميل قراراتي كي تُفهم في عيونٍ لا تبصر سوى سطح الأشياء.


تعلّمت، بعد كل تلك الانكسارات الناعمة، أن أكون ذئبًا. لا ذئب الغاب المتوحش، بل ذئب الرؤية. ذئبًا يعرف طريقه، يعرف نداءه الداخلي، ويتّبعه وإن جافاه الجميع.


ذئب لا يُصغي لتصفيق، لا يُحني رأسه لقافلة، لا يبحث عن دفء زائف في ازدحامٍ فارغ. ذئب يمشي بثبات، حتى لو اختار المطر رفيقًا له، والسكون وطنًا.



ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")