آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

وأنتِ لا تعرفين كيف تشرحين ذلك لنفسك!

 بعد غيابٍ طويل، يشبه نوعًا من النسيان المدروس، كتبت لي فجأة.

قالت إنها أرادت فقط أن تطمئن عليّ… هكذا ببساطة، وكأن غيابها لم يكن مفاجئًا، وكأن رسائلها لا تأتي دائمًا متأخرة قليلًا عن الزمن الذي كنتُ أحتاجها فيه.

قالت إنها كانت تقرأ ما أكتب، أي خواطري، مقالاتي، محاولاتي الصغيرة لتجميل حزني بالكلمات. لاحظت أنني أكتب عن الحب، عن اللمعان المفاجئ في القلب، عن التصالح مع الذات، عن الأشياء التي تنمو رغم الخذلان.

فرحت لذلك، أو هكذا أخبرتني، لأنها ظنّت أنني ربما بدأت أعيش الحب من جديد، أو أنني على الأقل فتحت نافذة جديدة على الحياة بعد أن أغلقتها هي في وجهي ذات مساء.

وكان ذلك، بالنسبة لها، مبرّرًا كافيًا لمراسلتي بعد شهورٍ من الصمت.

لكنني قرأت شيئًا آخر في كلامها.

قرأت تبريرًا داخليًا، غير معلَن، تحاول أن تقنع به نفسها أن اختيارها لرجلٍ آخر بدلاً مني لم يكن خطأ. كل مرة تراسلني، أشعر أنها تحاول أن تقول لي ، أو لنفسها، إنها كانت محقة، وأنني بخير، وأنها "لم تضرّ أحدًا".

هي لا تعترف بذلك صراحة. تقول إنها لم تعد تحبني.

لكنها "تهتمّ لأمري".

تقولها كمن يضع يده على باب أغلقه منذ زمن، ثم يعاود فتحه بحجة الريح.

وكم في هذه الجملة من سخرية

سخرية لا تخصني أنا وحدي، ولا تخصها، بل تخص الحياة نفسها.

الحياة التي تعطيك حكايةً كاملة، ثم تأخذها منك دون مبرر مقنع، وتطلب منك أن تتظاهر بأنك لم تكن يومًا البطل فيها.

أنا لا أشكك في صدقها ، صدقها الصامت، الذي لا يعرف كيف يترجم نفسه.

لكنها لا تُدرك، ولن تدرك، أن هذا النوع من الاهتمام المتأخر، لا يُطمئن، بل يُنهك. لا يُلملم، بل يزيد شتاتي.

أخبرتني في نهاية الدردشة أنها "لن تراسلني بعد الآن".

قلت في نفسي، وأنا أبتسم ابتسامة يعرفها التعب:

كم مرة قلتِ هذه الجملة من قبل؟ كم مرة وضعتِ نقطة النهاية، ثم عدتِ تكتبين سطرًا جديدًا، وكأن شيئًا لم يُكتب قبله؟

وأعرف، وستعرفين لاحقًا، أنكِ لم تتوقفي عن حبي حقًّا...

بل فقط، لم تعرفي كيف تشرحين هذا لنفسك.

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")