آخر ما نشر كارل!

لست متأكدا إن كنت أنا

  أشعر أحيانا أن حياتي كلها تتحرك بطريقة غريبة لا أفهمها تماما، كأنني كلما اقتربت من شيء حقيقي بداخلي، من ذلك المكان العاري الذي أخاف النظر إليه مباشرة، تبدأ الأشياء كلها بالتغيّر فجأة، وكأنني أصل دائما إلى شخص آخر يسكنني منذ سنوات طويلة، شخص لا يريد من هذه الحياة سوى أن يتبع رغباته بلا نهاية، أن يهرب من نفسه بأي طريقة ممكنة، أن يمارس الجنس مع فتاة جميلة فقط ليشعر للحظات أنه ما زال حيا، أو يشرب الجعة حتى يفقد ذلك الصوت الداخلي الذي لا يتوقف عن الكلام، أو يدخن حشيشة وراء أخرى، أو يجرّب أي شيء قادر على أن يطفئ هذا التعب الثقيل الذي يسكن قلبه. وأحيانا أنظر إليه بخوف حقيقي، لأنني لا أعرف إن كان هذا الشخص هو أنا فعلا، أم مجرد شبح نفسي تكوّن داخلي عبر السنوات، من الخيبات الصغيرة، من الوحدة، من الرغبات التي لم أفهمها، من أشياء كثيرة تراكمت بصمت حتى أصبحت جزءا مني دون أن أشعر. أجلس أحيانا أتأمله وكأنه شخص منفصل عني تماما، أراقبه وهو يأخذ كل انتباهي، يلتهم أيامي، يجعل الأشياء التي كانت مهمة بالنسبة لي تبدو بعيدة وفارغة. حتى أحلامي القديمة، تلك الأشياء التي كنت أؤمن بها بصدق، صارت تبدو كأن...

حين يصير الزواج مهربًا.. وحين يغدو الحب مسؤولية

لم يعد يُفاجئني أن كثيرًا من الناس يتزوجون هربًا. بعضهم يهرب من الوحدة، وبعضهم من ضغط المجتمع، وبعضهم، وهو الأخطر، يهرب من نفسه...
 الهروب هنا لا يراه صاحبه هروبًا، بل يراه مشروعًا أخلاقيًا، كأن يجعل من الزواج صك غفران لرغبة جنسية لا يعرف كيف يعيشها بنضج ولا كيف يواجهها بصدق.

لكن أي أخلاق هذه التي نرتكب باسمها ظلما؟ أي قيم تلك التي تجعل من الجسد محرمًا حتى نُلبسه قيدًا اسمه الزواج، لا الحب؟ المسألة ليست في أن يرغب الإنسان، بل في أن يخلط الرغبة بالواجب، والشهوة بالقُربى، والمتعة بالقانون. وهنا تمامًا يولد الزيف.

الزواج، كما عاينته من بعيد، ليس مؤسسة تحفظ الشرف، بل مسؤولية تنبع من نضج في الحب، من فهمٍ عميق للذات وللآخر، من استعداد لأن تقاسم الآخر الحياة بكل ما فيها من لذّة وخيبة، لا فقط الجسد.

وأقولها الآن بعد أن عشت الحب وخيبته، بعد أن مرّت على جسدي رعشة العاطفة، وانطفأت في قلبي نار كانت تشعل الكون، إنني تعلمت ما يكفي لأحترم المرأة وأحترم نفسي، فلا أستدرج أحدًا إلى عقد لا ينبع من اكتمال داخلي، بل من نقص لا أجرؤ على مواجهته.

الجنس بدون حب قد يُرضي الجسد، لكنه لا يملأ الروح. والحب بدون وعي قد يؤلم أكثر مما يسعد. والزواج بدون حب ووعي، هو سجن لكلا الطرفين، حتى لو بدأ بفستان أبيض وابتسامة.

الوعي هو أصل الحكاية. أن تعرف من أنت، وماذا تريد، ولماذا تريد. أن تسأل نفسك: هل أريد هذه المرأة لأنها تُكمّلني أم لأنها تُغطي عورتي النفسية؟ هل أُحبها، أم أُحب فكرة أن أكون رجلًا متزوجًا؟ هل أتوق للقرب، أم أخشى أن أبقى وحدي؟ كل سؤال من هذه الأسئلة مفتاح لصدق أعمق.

ثم إن الحب الحقيقي، لا يُدخِل المرأة في حياتك لتُشبع بها جسدك، بل لتتسع بها روحك. والزواج الحق لا يكون تتويجًا لحاجة، بل امتدادًا لاختيار. أن تختار أن تكون هناك، في الحزن قبل الفرح، في السقم قبل العافية، وفي الفهم قبل التقبيل.

أنا الآن، بعد الذي رأيت وذقت، لا أستطيع أن أظلم امرأة بأن أجعل منها تذكرة إلى السرير، أو ذريعة لكي أقول للمجتمع: "ها أنا تزوجت". ليس فيّ هذه القدرة على الخداع. ولا هذه الرغبة في أن أبني حياتي على وهْم.

ليُسامحني من يراني متطرفًا في صدقي. لكنني فضّلت الوحدة على علاقة مزيفة. وفضّلت أن أشتاق إلى امرأة لا أملكها، على أن أملك جسدًا لا يجاوره حب.

ك.ج




تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")