آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

حين يصير الزواج مهربًا.. وحين يغدو الحب مسؤولية

لم يعد يُفاجئني أن كثيرًا من الناس يتزوجون هربًا. بعضهم يهرب من الوحدة، وبعضهم من ضغط المجتمع، وبعضهم، وهو الأخطر، يهرب من نفسه...
 الهروب هنا لا يراه صاحبه هروبًا، بل يراه مشروعًا أخلاقيًا، كأن يجعل من الزواج صك غفران لرغبة جنسية لا يعرف كيف يعيشها بنضج ولا كيف يواجهها بصدق.

لكن أي أخلاق هذه التي نرتكب باسمها ظلما؟ أي قيم تلك التي تجعل من الجسد محرمًا حتى نُلبسه قيدًا اسمه الزواج، لا الحب؟ المسألة ليست في أن يرغب الإنسان، بل في أن يخلط الرغبة بالواجب، والشهوة بالقُربى، والمتعة بالقانون. وهنا تمامًا يولد الزيف.

الزواج، كما عاينته من بعيد، ليس مؤسسة تحفظ الشرف، بل مسؤولية تنبع من نضج في الحب، من فهمٍ عميق للذات وللآخر، من استعداد لأن تقاسم الآخر الحياة بكل ما فيها من لذّة وخيبة، لا فقط الجسد.

وأقولها الآن بعد أن عشت الحب وخيبته، بعد أن مرّت على جسدي رعشة العاطفة، وانطفأت في قلبي نار كانت تشعل الكون، إنني تعلمت ما يكفي لأحترم المرأة وأحترم نفسي، فلا أستدرج أحدًا إلى عقد لا ينبع من اكتمال داخلي، بل من نقص لا أجرؤ على مواجهته.

الجنس بدون حب قد يُرضي الجسد، لكنه لا يملأ الروح. والحب بدون وعي قد يؤلم أكثر مما يسعد. والزواج بدون حب ووعي، هو سجن لكلا الطرفين، حتى لو بدأ بفستان أبيض وابتسامة.

الوعي هو أصل الحكاية. أن تعرف من أنت، وماذا تريد، ولماذا تريد. أن تسأل نفسك: هل أريد هذه المرأة لأنها تُكمّلني أم لأنها تُغطي عورتي النفسية؟ هل أُحبها، أم أُحب فكرة أن أكون رجلًا متزوجًا؟ هل أتوق للقرب، أم أخشى أن أبقى وحدي؟ كل سؤال من هذه الأسئلة مفتاح لصدق أعمق.

ثم إن الحب الحقيقي، لا يُدخِل المرأة في حياتك لتُشبع بها جسدك، بل لتتسع بها روحك. والزواج الحق لا يكون تتويجًا لحاجة، بل امتدادًا لاختيار. أن تختار أن تكون هناك، في الحزن قبل الفرح، في السقم قبل العافية، وفي الفهم قبل التقبيل.

أنا الآن، بعد الذي رأيت وذقت، لا أستطيع أن أظلم امرأة بأن أجعل منها تذكرة إلى السرير، أو ذريعة لكي أقول للمجتمع: "ها أنا تزوجت". ليس فيّ هذه القدرة على الخداع. ولا هذه الرغبة في أن أبني حياتي على وهْم.

ليُسامحني من يراني متطرفًا في صدقي. لكنني فضّلت الوحدة على علاقة مزيفة. وفضّلت أن أشتاق إلى امرأة لا أملكها، على أن أملك جسدًا لا يجاوره حب.

ك.ج




تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")