آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

أنس، إلينا و كارل

 كنت لا أعرف كلميم.

قيل لي ذات مساء إنها "باب الصحراء"، لكن لم يقل لي أحد إنها أيضًا باب التأمل... أو النسيان.
وإلينا، لم تزر المغرب أبدًا.
ربما كانت تعتقد، ببساطة، أنه لا يستحق أن يُزار، أو ربما كانت تنتظر أن تزور مكانا آخر، فضاءٌ لا يُرى في خرائط السفر... بل يُرسم في خرائط الداخل.

أنس هو الذي جمعنا.
أنا التقيته في الرباط. مدينة الزوايا الناعمة، والجراح الأنيقة.
وهي التقت به في فيتنام.
ما الذي يجمع بين الرباط والفيتنام، سوى رجلٍ يشبه الأساطير التي لم تُكتب بعد؟

ربما أنت الآن تقرأ هذه الكلمات وتتساءل: من هو أنس؟ ولماذا يملأ اهتمامي حتى هذا الحد؟
وما علاقته بي؟ بها؟ بنا؟
أفهم استغرابك، لكن دعني أقول لك شيئًا:
الناس ليسوا دائمًا أشخاصًا. أحيانًا هم رموز.
وأحيانًا، تكون الأسماء مجرد عتبات لقصص أكبر.
ما يعني شيئًا حقًّا، هو الحدث، اللقاء، الصدفة، تلك النظرة الأولى التي غيّرت مجرى نهر كامل، دون أن تغيّر اتجاه الريح.

أنس، إن أردتَ الحقيقة، ليس شخصًا بقدر ما هو فكرة.
هو إلهُ حبٍّ لم يولد في السماء، بل وُلد في أرضٍ تشبه الضياع، لكنه قرر أن يمنحها معنى.
هو الطفل الذي لم يمت رغم أن الحروب كلها مرّت فوق رأسه.

وإلينا؟
إلينا ليست امرأة.
هي خريطة سلام رسمتها الطبيعة، لكن الطبيعة تأخرت. فسبقتها إلينا، ورسمت نفسها بنفسها.
قررت أن تكون أكثر من جسد، أكثر من اسم، أكثر من أنثى جميلة تُشفق على العالم...
قررت أن تكون رسالة.

أما أنا...
ربما تعرفني؟
كارل جبران، الغريب الذي جاء لهذا العالم لا ليكتب فقط، بل ليؤمن بأن الكتابة هي حضارة.
حضارة تُبنى من الحبر والدمع والضحك، من كل ما يجعل الإنسان حرًا خارج سجن "التوقع" و"الانتظار".

وأنت...
أنت ما زلت تسأل عن مغزى هذه الرسالة؟
انتظر، لم أصل بعد إلى المهم.

في النهاية، كل شيء بدأ حين لم نكن نعرف كلميم، وانتهى حين قرر أنس أن يفتح فيها أول بيتٍ للخير في وجه الشر.

نعم، نحن، أنا، أنس، وعائلته، سنكون آخر باب يطرقه الخير،
حين تظن الشرور أنها أغلقت كل الأبواب
.

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")