آخر ما نشر كارل!

بين الله وسبينوزا

  هل يمكن أن نكتب الحقيقة ونحن سكارى؟ أم أن السكر مجرد اعتذار رخيص لأن نقول بعد ذلك: "لم أكن أنا من كتب، كان الكأس." لا أدري. والحقيقة أنني لا أثق كثيرًا في الذين يكتبون وهم واعون تمامًا أيضًا؛ فالوعي الكامل يبدو لي حالة مرضية أكثر منه فضيلة. لا بد أن يكون في الكاتب شيء مختل، شيء ناقص، شيء لم يُغلق بابه جيدًا، حتى يتسرب منه الكلام . هل يمكن أن تأتينا الحقيقة ونحن نعيش شكًا عميقًا في أننا كائنات جميلة أصلًا؟ أم أن الحقيقة، مثل موظف حكومي، ترفض أن تقابل أحدًا قبل أن يستكمل جميع الوثائق؟ أحيانًا أشعر أن الحقيقة لا تحب البشر، أو ربما تحب أن تتسلى بهم. تترك الفيلسوف يمضي نصف عمره يعرّفها، ثم تأتي طفلة لتسأل سؤالًا واحدًا فينهار البناء كله كما ينهار بيت من ورق أمام عطسة . لا أدري . لقد اعتدت أن أكون صريحًا في كتاباتي، أو هكذا أحب أن أصدق. لكن حتى هذه الجملة تستحق أن تُعامل بحذر؛ لأن الإنسان يستطيع أن يكذب على نفسه ببلاغة تفوق كذبه على الآخرين. كنت أظن أنني أكتب بشاعرية، ثم اكتشفت أن الشعر أحيانًا ليس إلا طريقة أنيقة لإخفاء ارتباكنا. نرتب الكلمات كما يرتب الناس أثاث البيت قبل ...

حواريات مارتن و كارل: أن تنقذ العالم بقنينة وسجارة

المكان: شقة صغيرة في طنجة. الساعة تقترب من منتصف الليل.

الجوّ خانق، المروحة تصدر صوتاً كأنها تنبح ببطءكارل يدخل بكتفه المائل ونظرة تشبه إشعار إلهامٍ وصل متأخراً.

مارتن (يقلّب الدجاج بالبصل بحركة بطيئة، دون أن ينظر):

أعدت... أجزم أنك حصلت على ما تبحث عنه.

كارل (يضع كيسه الصغير الأبيض على الطاولة، وكأنه يضع حمولةَ عمر):

أجل فعلتكوبان من الشوق، رشّة ندم، وسطور بيضاء تهمس لي أنني عبقري مؤجل.

مارتن (يشير إلى الطاولة حيث البيرة تبرد مثل ضمير مهمل):

وأنا بدوري أعددت لك طبقك المفضل، دجاج بالبصل والنسيان... يُقدّم مع جانب من الحنين إلى مشاريع لم نكملها.

كارل (يضحك بخفّة المتعب):

جميلالعشاء المثاليطعام ثقيل، وسؤال خفيفهل ستكمل مشروعك في العطلة أم ستكتفي بالشعور بالذنب؟

مارتن (بهدوء من جرّب الفشل أكثر مما جرّب البهارات):

الذنب وجبة قابلة للتسخين دائماًلكن الشغف؟ ينطفئ مثل شمعة في غرفة بها مروحة على السرعة ثلاثة.

كارل (يجلس على الأرض ويسند ظهره إلى الحائط كمن قرر الاستسلام بعناية):

أتعرف، يا مارتن؟ أكثر ما يثير قلقي... أنني أصبحت أحتاج جرعة من الحزن كي أبدأ العملأحتاج أن أكون موجوعاً لأكتب شيئاً حقيقياًولا أعلم إن كنت أكتب لأنني مبدع... أم لأنني مكتئب محترف.

مارتن (يسحب نفساً طويلاً من سيجارته، ثم يقول وكأنه يقصّ شعر روحه بمقص صدئ):

الحقيقة؟ أنت فقط لا تحتمل فكرة أن تكون مثل الآخرينلذلك تخلق ألمك بنفسك… كما يخلق الطاهي مذاقاً حارقاً لمجرد أنه ملّ من العادي.

كارل (يرتشف من قنينة بيرة، يتأمل فقاعاتها وكأنها استعارات ضائعة):

أكره العادي يا مارتنولهذا السبب لا أسافر في الصيفلأنني أرفض أن أُسعِد نفسي بالطريقة التي يختارها الآخرونأفضل أن أُسقِم نفسي، لكن بطريقتيأن أعمل وأنا أتفتت، بدل أن أرتاح وأصبح... نسخةً قابلة للتوقع.

مارتن (يرفع غطاء القدر، يتنشّق الرائحة ثم يغمض عينيه كما لو كانت صلاة):

المشكلة أنك تريد المعجزة أن تحدث وأنت تنكر أدواتهاتريد أن تُكتب فصول عظيمة دون أن تجلس وتكتبتريد أن تغيّر العالم وأنت لا تغيّر حتى نبرة صوتك مع نفسك.

كارل (بهمس ساخر):

وهل قلت لك إني أريد إنقاذ العالم؟ كل ما أردته… أن أُشعِر نفسي أنني أكثر من كائن متردد...أردت فقط أن أشعر أنني لست زائراً في حياتي.

مارتن (يصب البيرة في كأسين، ويقول بصوت رخيم مثل حكيم متقاعد):

إذا أردت ألا تكون زائراً، فابدأ بترتيب غرفتكابدأ بإكمال شيء صغيرمقال، صفحة، حتى فكرة تافهة في مدونتك... لأنك إن لم تبدأ... ستقضي حياتك في الحديث عن مشاريع عظيمة بين لقمتين من الدجاج، ورشفتين من الوهم.

كارل (ينظر إليه، ثم يبتسم بتعب لا يخلو من امتنان):

شكراً يا مارتندائماً كنت الطبق الجانبي للحقائق التي لا أريد ابتلاعها.

مارتن (يرفع كأسه في الهواء):

لنشرب... لما لم نكمله... ولما سنكمله، رغماً عن كل أعدائنا الداخليين.

كارل (يصطدم بكأسه في كأس مارتن، ثم يهمس):

ولنكمل... ولو كتجربة أخيرة، قبل أن نسقط تماماً في "قائمة المهام المؤجلة."

ك.ج

 

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")