آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

ولدتني خطيئتي

 لا أخافُ الرذيلة،

بل أُقبّلها كما يُقبّلُ الغريبُ أولَ نافذةٍ مضيئة

في ليله البعيد.

ما الخطيئةُ سوى بابٍ آخر

لجُرحي الذي نسي أن يتعافى،

ولقلبي الذي لا يهدأ إلا حين يضيع.

قالوا الطهرُ ملاذ،

لكني رأيتُ فيه سجنًا أبيض،

كفنًا بلا موت،

ونومًا بلا حُلُم.

أما الخطيئة؟

فهي يقظتي،

صرختي الأولى،

وميض الندم في طرف عيني

حين أحببتُ،

وحين كذبتُ لأحمي قلبي من النُباح.

في ذنبي عرفتُني:

كلّما سقطتُ، تكشفت طبقةٌ من وجهي

لم أرها في المرآة.

كلّما نزفتُ،

غسلتني الحياة من وهمها.

وكلّما قلتُ: "لن أعود"،

عدتُ

لا لأنني ضعيف،

بل لأنني حيّ.

أنا ظلّي،

أنا ارتجافُ الوردةِ في قبضة النار،

أنا اللذّة حين تعتذر عن وجودها،

ثم تبتسم.

لا أملك يقينًا،

إلا أنني أمشي

على الحافة بين نعيمٍ مزعوم،

وجحيمٍ يُشبهني.

وفي كليهما

أبحث عني.

فاغفروا لي إن بدوتُ سعيدًا بخطيئتي،

وإن رقصتُ في قميصي المبلل

من عرق الرغبة،

لأنني في النهاية

لستُ ملاكًا،

بل قصيدة

كُتبت بالحبر،

ثم شُطبت بالدمع،

ثم نُقشت بالنار.

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")