آخر ما نشر كارل!

لست متأكدا إن كنت أنا

  أشعر أحيانا أن حياتي كلها تتحرك بطريقة غريبة لا أفهمها تماما، كأنني كلما اقتربت من شيء حقيقي بداخلي، من ذلك المكان العاري الذي أخاف النظر إليه مباشرة، تبدأ الأشياء كلها بالتغيّر فجأة، وكأنني أصل دائما إلى شخص آخر يسكنني منذ سنوات طويلة، شخص لا يريد من هذه الحياة سوى أن يتبع رغباته بلا نهاية، أن يهرب من نفسه بأي طريقة ممكنة، أن يمارس الجنس مع فتاة جميلة فقط ليشعر للحظات أنه ما زال حيا، أو يشرب الجعة حتى يفقد ذلك الصوت الداخلي الذي لا يتوقف عن الكلام، أو يدخن حشيشة وراء أخرى، أو يجرّب أي شيء قادر على أن يطفئ هذا التعب الثقيل الذي يسكن قلبه. وأحيانا أنظر إليه بخوف حقيقي، لأنني لا أعرف إن كان هذا الشخص هو أنا فعلا، أم مجرد شبح نفسي تكوّن داخلي عبر السنوات، من الخيبات الصغيرة، من الوحدة، من الرغبات التي لم أفهمها، من أشياء كثيرة تراكمت بصمت حتى أصبحت جزءا مني دون أن أشعر. أجلس أحيانا أتأمله وكأنه شخص منفصل عني تماما، أراقبه وهو يأخذ كل انتباهي، يلتهم أيامي، يجعل الأشياء التي كانت مهمة بالنسبة لي تبدو بعيدة وفارغة. حتى أحلامي القديمة، تلك الأشياء التي كنت أؤمن بها بصدق، صارت تبدو كأن...

هذا الليل

 هذا الليل، الذي كنت أهرب منه، صار يؤنسني.

كنت أظنه فراغاً بارداً، لا يسكنه غير صمتي… حتى رأيته يتكوّر وحيداً بين ذراعي هواجسي.

الليل، هذا الغريب القديم، يشبهني كثيراً.
لا يخاطبني بصوت، لكنه يقول كل شيء.
لا يضع يده على كتفي، لكنه يجعلني أشعر وكأن أحدهم هناك… دون أن يكون هناك أحد.

أيها الليل، لا تخف مني.
إنني لا أحمل لك سخطاً، ولا أرغب في محوك، بل في الانصهار فيك.
فكّرت، كثيراً، في أشياء تتجاوز اللغة، تتعدى الزمن، وتسبق المكان… أشياء لا يمكن حملها في العقول، بل تُحمل في القلب، كأسرار دافئة أو جراح بلا اسم.

رأيتُ حقيقة الإنسان تمشي حافية في غابة الآلهة… تائهة، مذهولة، تبحث عن نفسها بين ما فُرض عليها وما نسته عن ذاتها.

لا تخف
دعني أبيت فيك ما تبقّى من هذا الشك، من هذا العدم، من هذه الدوّامة التي لا أعرف إن كانت تسحبني نحو الأعماق أو ترفعني إلى شيء يشبه المعنى.

إنني لا أطلب منك سوى أن تمنحني بعض السكون
بعض العتمة التي لا تخيف، بل تطهّر
بعض الوحدة التي لا تقتل، بل تكشف.

فربما، حين يجيء الصباح، لا يجيء كعادته
بل يجيء في عينيّ،
فأرى العالم كما لو أنني وُلدتُ للتو،
أو كأنني أنقذتُ نفسي أخيراً من نفسي.


ك.ج

 

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")