آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

صَرخَةُ النَّصِّ الأخير


يا آدمُ، هل كنتَ تعرفُ أنّ الجِراحَ

التي وَرِثَتها يدُنا،

سَتَصرُخُ في دمِنا كالصَّدى؟

زرعتَ الحنينَ، فكانَ العَذابُ،

وكانَ للخَطيئةَ بابَ المدى.


ويا نوحُ، من بَعدِ طوفانِكَ الغامرِ

ابتلَعَ الماءُ أحلامَنا،

وغَرِقنا بغيرِ سَفينَةْ.

ألمْ ترَ أنّ الغُيومَ التي قُدتها

ما تزالُ تُغرقُنا في اللعنةِ اللعينَةْ؟


وإبراهيمُ، كيفَ احترقتَ بنارِ اليقينِ؟

ويا أيُّها الذابحُ الابنَ باسمِ السَّماءِ،

أما راودَتكَ يدُ الشكِّ لحظةْ؟

أما سألتَ السِّكينَ: لماذا أُطيعُ؟

أما خشيتَ ارتجافَ الدَّماءِ؟


وموسى،

أما زلتَ تضربُ ماءَ البحارِ بعصيانِكَ الخشبيِّ،

وتشقُّ لنا خُطَّةً في الرَّحيلْ؟

نَسيناكَ،

لكنَّ صوتَ الشريعةِ فينا يدوّي كنصلِ الرحيلْ.


ويا روحَ عيسى،

لِماذا صلِبتَ المحبةَ في جَسَدِ الأرضِ؟

لِماذا غفَرتَ، ولم تَسألِ اللهَ

عن سِرِّ هذا الجُنونِ النبيلْ؟


ومحمّدُ،

أما كُنتَ تَعلَمُ أنَّ القبائلَ ما زالتَ تركضُ

خَلفَ الرِّماحِ؟

وأنَّ الذي ظنَّ في النُّورِ عَدلًا،

سيَكتُبُ بالنَّصلِ نَصرًا،

وسَيغرقُ هذا السَّحابُ بِدمعِ المَذابحِ؟


لا ضجر في أنكم السابقون للكلام،

لكنني أشك في كل الذي جِئتُمُ بهْ،

وأبحثُ في كُلِّ صَوتٍ عن السِّرِّ،

عن لغزِ هذا الوجودِ الذي لم يُفسَّرْ،

عن اللهِ حينَ يُعيدُ السؤالَ: من أنا؟ 

فَلا يُنشِدُ جوابا إلا بوحي، وحدكم عنه شاهدون.

ونحن فلاسفة و علماء، أقرب إلى الله في الجواب من وحي الجبال. 


ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")