آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

جمعت كل الفوضى بداخلي...

 

شعرت بالملل فأيقظت كل شيء ممكن من حولي، ساعتي، هاتفي، كتبي، خيالي، أحلامي وكل ما كان وسيبقى في أحضاني شكلا من أشكال وقت يقظتي.

نظمت كل شيء أمامي، لأراه بوضوح، أغلقت عيناي، وبدأت في الخطاب:

" يا كل ما يمثل من أنا.. أرجوك ...حينما أنسى من أنا... ذكرني... لا تدعني أبتعد عن جوهري..."

تركت قلبي ينبض للحظات... ثم استيقظت...لأرى جدار غرفتي ناصعا كقمر السماء... استدرت اتجاه سريري، اتجاه مكتبتي وأريكتي... رميت بعيناي تجاه كل شيء من حولي... فشعرت بالسكينة... شعرت أن ما يجري بداخلي... كل شيء منه ليس إلا لحظة إن ركزت عليها... سأنجح في حياتي وكل وجودي... سأصير ذلك الكائن الذي رأيته أيام لم يفهمني أحد... أيام كنت طفلا... يملئني الخيال والكذب كما أكدت لي كل عائلتي وكبار السن، بل ومعلمي المدرسة التي قضيت فيها وقتا طويلا من أيام تجاربي الأولى مع معنى الحياة...

جمعت كل الفوضى بداخلي... اختزلتها في إحساس واحد... فلأسميه: إحساس الحرية.... ثم استلقيت على سريري... نمت... وحينما حل الصباح... لم يكن فقط أنا من استيقظ.. بل كل الملل الذي هربت منه ليلة البارحة... استيقظ كل شيء... فارضا على عقلي، مشاعري وأفكاري... حتمية التكرار...

إنني إنسان معاصر وهذا صعب أن يفهمه القدماء من أجداد الإنسان... إنني إنسان معاصر.. وهذا صعب أن يفهمه القادمون من بعد حضارة القرن الواحد والعشرين...

إنني أفشل في كل مرة أقرر فيها أن أتحرر من ذاتي الراغبة في عالم الامتلاك...بيد أنني لن أتوقف... في كل سنة جديدة... سأظل دائما أكتب عن إشكالية الذاكرة، الهوية والتيه... لأن لا شيء يمكن أن يحل مفارقة  الوجود عند كل إنسان  إلا بقدرته على تحمل رداءة الإعادة...التشابه... والتماثل...

إنني متأكد أنه صعب جدا على كل من يحمل مظلة مؤدلجة أن يفهم مغزى مقالتي...بل إن بداخلي يقين مطلق أن لا انتهازيا من انتهازيي العالم الرأسمالي و التكنوقراطي...سيفهم الإشكالية التي أنير قلب ظلامها بأسئلتي...

 بيد أنني أحمل بداخلي إرادة لا تنكسر... سألخصها في فقرة واحدة:

 إنني هنا لأنني لا أخاف من أن تكون كل حياتي بلا معنى... إنني مستعد أن أن أظل في شك مستمر... لا ينتهي... ففي آخر المطاف... تعلمت... أن وجود الإنسان في كوكب الأرض... تجربة ذاتية و نسبية...كأن كل أبعاد حياة الأرض ليست إلا تجربة ليعرف الكون إلى أي حد يمكن لهذا الكائن البشري أن يكون كونيا... لكن، و أنا أتفق مع الكون... إن الإنسان لا يمكن أن يكون سيدا من أسياد الحكمة ما دام يبحث عن اللذة و المتعة....

على أي... الملل يخترقني من جديد... أريد سيجارة... سلام. 

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")