آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

يقظة الشك

كانت الساعة تشير إلى الثانية عشر ليلا حينما خرجت من حانة تريبل بامبو في طنجة، تمشيت نحو المنزل وأنا أفكر:

" ماذا سأفعل هذه الليلة؟ لا أريد أن يحكمني فراغ كل الليالي التي مضت... أنام غصبا عني...فقط لأن الطبيعة فرضت على كل الكائنات الحية أن تنام..."

وأنا أتمشى...نادني طفل في سن العاشرة، متشرد غالبا، كان مع أصدقائه الذين اختاروا أن يقضوا ليلتهم بين حشائش حديقة بجانب الطريق... سألني:

" عمو شحال الساعة.."

أجبته دون أن أعير أي اهتمام لتفاصيل ملامحه:

" طناعش ونص"

أكملت المشي، وصلت المنزل، دخلت ثم رأيت ما تبقى من ليلتي... كسراب في كل أنحاء المنزل... تسخر مني وتقول:

"أجئت أيها الشاب المتفلسف... هربت مني... والآن عدت... تعال لأقضي عليك مجددا... تعال لأعذبك ... تريد أن تحيا مختلفا عن طبيعة عبيد الليل... هيا أزل ملابسك واستلقِ على السرير... أنا قادمة ككابوس... سأرهقك بالتفكير...لن تنام... لن ترتاح.. ستفكر في كل شيء... ستشرق الشمس وأنت لا زلت غارقا في يقظة الشك..."

فتحت الثلاجة، أخرجت قنينة جعة، أشعلت سيجارة، ثم موسيقى ...جلست على الأريكة، شغلت حاسوبي... وحاولت أن أكتب... لكنني لم أستطع.. فدائما ما أجد نفسي أمام المشكلة نفسها:

" ماذا سأكتب؟ لمن؟ ولماذا؟"

أفكر في الشباب الذين قرروا أن يعيشوا الحياة بنظرية القفل، وهي نظرية مفادها أن الهدف من الحياة هو ألا نشارك أي شيء بداخلنا...نعيش وفقط... ثم، على حسب ما فهمت، نموت...كأننا لم نكن أصلا...

أفكر أيضا في الذين غرقوا في أسرارا وفرضيات تدفعني لأفقد ثقتي في أنني مهم أو أن لي دور في هذا العالم... كأنني موجود فقط لأعيش الأزمات...

على أي... هذه مجرد تفاصيل... لا قيمة لها... لن تنفع أحدا... أرجو أن تذوب في حريق الواقع الذي لا يرحم أفرادا عاطفيين مثلي... 

 

 

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")