آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

العودة إلى الأيام الأولى

السابعة صباحا، يوم الخميس، التاسع والعشرين من سبتمبر…


كانت أمي تتوجع، بجانب أبي، و بعض أفراد العائلة من ضمنهم جدتي… كان الجميع ينتظر متى تصل سيارة الإسعاف… بعد لحظات، ركبت أمي السيارة و أبي بجانبها، و شقت الطريق نحو مستوصف بوعنان البعيد عن بني تدجيت ب ستين كيلومترا على أبعد تقدير… لقد كان صباحا خريفيا، و كان الصمت يعم كل الأجواء غير أصوات بعض العصافير التي تحوم على أسطح المنازل… في لحظة، أدركت أنني ولدت لكنني لم أدرك بعد من أنا… أدركت أمي أن لها طفل صغير الآن لكنها لم تدرك من هو حقا و كيف سيكون… و أدرك أبي أنه حقا صار أبا لعائلة، لكنه لم يدرك بعد معنى ذلك…بيد أن الجميع كان سعيدا، و الناس جاؤوا لزيارة أمي بشكل مستعجل و معهم أبسط الهدايا : خضارا وفواكه وأيضا حلويات… مر اليوم طويلا، كان جله أنشطة لا تخرج من مألوف تقاليد المنطقة و العادات.

بعد أسبوع…

ذلك الصباح كان مختلفا، ألبستني أمي زيا أبيضا جميلا، قبلتني و قبلتني أيضا نساء كثيرات… كان أبي يجري من مكان لمكان… و كان الجميع سعيدا أكثر من يوم ولادتي، فاليوم سيتم قطع جلدة صغيرة على قضيبي، لأصير على سنة كل المسلمين في العالم. صرخت كثيرا..لكنني بسرعة حضنت أثداء أمي و نسيت…

بعد 7 سنوات 

ذلك اليوم جميل، فبعد مرور أربع سنوات تقريبا من الذهاب إلى مسجد مركز جماعة بني تدجيت، من أجل قراءة وتعلم القرآن، اللغة العربية والحساب..كان يوم الاثنين الأول من شهر سبتمبر لسنة 2001 أول يوم  سأدخل فيه إلى مدرسة الداخلة بطريقة رسمية.. المدرسة التي لا تبعد كثيرا عن الساحة التي نلعب فيها كرة القدم، و التي لا حدود بينها و بين المدرسة سوى جدار صغير غالبا ما نقفز عليه  و نلجأ إلى داخل المدرسة لنلعب، و غالبا ما يكون ذلك في  يوم الاحد و العطل… أجل.. فلقد ألفنا أن نلعب أنا و أبناء الجيران في ساحة المدرسة قبل أن ندخلها كتلاميذ..و كان الأمر حقا مثيرا للاهتمام أنذاك…على أي… سجلني أبي في المدرسة، و اشترى لي الكثير من الكتب… و أتذكر أيضا أنه اشترى لي طاولة مدرسية بنية و سوداء… تلك الطاولة سترافقني كل سنوات الدراسة حتى أيام الباكالوريا. 

بعد 15 سنة 

ككل يوم، أستيقظ في الصباح الباكر، أفعل كل شيء ممكن، لأكون وسيما و مثيرا للاهتمام.. أجل..أيام الإعدادي، كنت حقا محبا للحياة و التغيير، و طبعا للتجارب التي غالبا لن يحب أبي أن أقوم بها… أنا و خالد، و هو ابن ابنت عمتي..أجل كان هنالك أمر غريب في عائلة أبي… في فترة الطفولة، من كان قرين سني، ليس أبناء أخوالي و أعمامي..بل أبناءهم.. على أي… كنا ندخن في الخفاء.. و أحيانا نجرب بعض أنواع المخدرات.. كنا نحب أن نكتشف لماذا المجتمع حرم و منع علينا مثل هذه الأمور…لكنني بسرعة تحولت من هذا النمط في التجربة و انغمست في التجربة الدينية و جعلت من القران و المسجد نمط حياتي اليومية…و دام ذلك الأمر من أيام الأعدادي حتى سنواتي الأخيرة في الثانوي… و أتذكر أنني صرت ملحدا و أنا أدرس في الثانية باكالوريا..رميت كل شيء بعيدا عني و ركزت على أن أكون مميزا في الدراسة ثم أجد طريقا لأكبر بها بعيدا عن عبادة الله أو التقرب من العائلة أكثر... انعزلت و صرت أربي بداخلي حكيما لا يعرفه أحد سواي… و كان ذلك كله و  أنا لازلت تحت وصاية عائلتي الصغيرة… 


بعد 25 سنة 

لم أستوعب كل ما فعلته لحد الآن… كيف قمت بذلك… لازلت لم أفهم كيف حدث حتى صرت أعيش وأدرس في الرباط و أنا ما شيء سوى ابن موظف بسيط في الجنوب الشرقي للمغرب… على أي، لا أدري كيف حدث الأمر..ولكن ما أنا متأكد منه لهذا اليوم، هو أنني لدرجة ما كنت لا أؤمن بأي قوة خارجي صرت أؤمن بقوة بداخلي دفعتني لأقول بأشياء مثيرة للاهتمام بالنسبة لأفراد كأبي الذي لم يكن حقا يتوقع أن طفله سيكون خريج جامعة في الرباط و يمتهن مهنة لم يمتهنها أحد من قبل من معارفه وأقربائه… 

أشعر بقلق كبير و لكن قلبي في الوقت نفسه ينبض بالأمل و يحلم… درجة تحرري في التجربة تتوسع… و طريقة بنائي للنظام الأخلاقي الذي أتبعه، يختلف تماما عما أراه من حولي…فرد عصامي…منعزل…ذكي… متأقلم..ناجح…ولكن نقاط ضعفه كثيرة…. و هذه النقاط كلها مصدر حكم اجتماعي…. يدخن سجائر و لفافات حشيش..يشرب الجعة كل يوم..لا مشكلة عنده في تجريب مخدرات جديدة… روحانيته متوترة…عاطفته تسمو على المعتقد الديني و علاقته بفلسفة الحب تتعدى فلسفة الحب بحذ ذاتها..كأنها ولادة فيلسوف رومانسي جديد… 


بعد 30 سنة 

أيام معدودة و سيحل يوم التاسع والعشرين من سبتمبر و أصبح رسميا  في سن الثلاثين… و لأن هذه الفترة هي حاضري و الآن… فأحب أن أحلم و أرجو من القوة بداخلي أن تكون رئيفة بي لأصل ما أحب أن أصله من الآتي:

تلك المرأة التي أحبها قلبي بشدة، تلك الفتاة التي كبرت بين وجدة و فاس، درست في الرباط وعملت في إكاون واليوم تعيش في الفيتنام..أريد أن أحضنها من جديد… و أمنحها كل ما احتفظت به من أجلها: أنا.

ذلك العالم الذي يؤمن به أغلب الناس، عالم ما بعد الموت…أريد أن أكون من المؤسسين له على الأرض، الآن، في هذه الحياة.

ذلك الخوف الذي يعتري أبي… و  القلق..أريد أن أمتصه بداخلي و أمنح أبي كينونة جديدة… ثقة بأن الحياة التي عاشها كلها..يمكن أن يعيشها من جديد…

ذلك الحب غير المبرر من أمي…أريد أن أحضنه كله… و أفتح به نافذة جديدة لنفسي…لأرعى حياتي كما كانت أمي ترعاني أيام الخريف الأول…. 

ذلك الشخص الغريب بداخلي… الذي يحب أن يكون كالآخرين…أريد أن أصفعه بشدة، أرميه من داخلي… و أنساه…


كارل جبران

28 أغسطس 2024


تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")