آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

مهرجان العلوم بالدار البيضاء

كثيرة وغامضة أسرار الحياة!  فهنالك من يقضي جل عُمره تجربة بعد أخرى ولا يكتشف من هذه الأسرار إلا القليل، هذه الخبرة المتواضعة التي يكتسبها الإنسان عن طريق تجاربه، غالبا ما تكون مرتبطة بشكل وثيق بنوع من التفكير لا يتعدى التفكير الخرافي أو التفكير المُهِيمنِ في ثقافة العائلة أو المجتمع الذي نشأ فيه.

بيد أن هنالك أنواع أخرى من التفكير، يمكن أن تجعل الإنسان يكتشف أسرار الحياة، قواعدها والقوانين التي تتحكم فيها دون الاعتماد على المُكتسبِ الثقافي، دون قضاء عمر طويل بفهم قليل.  إنه التفكير الفلسفي والعلمي.

يمكن تعريف التفكير الفلسفي والعلمي بقدرة الإنسان على استخدام تفكيره النقدي تجاه الظواهر والأحداث والمعلومات، إنه لغة الطفولة، لغة الدهشة، الاكتشاف، الفضول، الشك وحب استخدام العقل المنطقي من أجل فهم الأشياء موضوعيا دون أية انحيازات تجاه الخرافة، الأسطورة أو التفسيرات التي ليست لها أسس منطقية وعقلانية.

إن التفكير الفلسفي والعلمي ليس بالضرورة تخصص الفيلسوف أو العالم، إنه بناء فكري، تعلم ونظرة بناءة للحياة.

في هذا الصدد، يُعد مهرجان العلوم بالدار البيضاء، حركة علمية تهدف إلى نشر التفكير الفلسفي والعلمي عن طريق تنظيم مهرجان سنوي في ساحة الأمم المتحدة بالدار البيضاء، حيث هذا الفضاء العمومي يصبح في لحظة كساحة الأغورا اليونانية، تنتشر فيها الأسئلة الفضولية من طرف الصغار والكبار، أسئلة جوهرها حب العلم وتعلم مبادئ تفكيره.

من جهة، يتميز هذا المهرجان السنوي بالعدد الهائل لزائريه، الذي يصل إلى آلاف الزوار في كل سنة من تنظيمه، واختلاف أنشطته التي تهدف إلى تبسيط العلوم ونشر الفكر العلمي، علاوة على تنظيم أمسيات علمية كالمسائيات الفلكية أو القوافل العلمية في مختلف المدارس الجامعية أو المؤسسات التربوية.

ومن جهة أخرى يتميز بتاريخ تأسيسه وسياق ولادة فكرته التي تعود إلى نادي الأيام الخضراء بالمدرسة الحسنية للأشغال العمومية بمدينة الدار البيضاء.

هذا النادي الذي قرر أن يعبر ويشارك المجتمع المدني بالمغرب فلسفته الإيكو تكنلوجية، التي تقوم على مبدأ:

“التكنلوجيا في احترام الإنسان والطبيعة، التكنلوجيا من أجل أيام خضراء."

مهرجان العلوم بالدار البيضاء، يفتح نوافذا خضراء لاكتشاف أسرار الحياة، يدعو إلى التفكير الفلسفي والعلمي، يمنح لزواره، بل يهديهم حدثا سنويا يذكرهم بأهمية التفكير العلمي في حياتهم اليومية، يذكرهم بأن اكتشاف أسرار الحياة مرتبط بتعلم مبادئ التفكير النقدي وممارسة فن العيش بروح العالِم والفيلسوف، روح الدهشة والفضول.

مهرجان العلوم بالدار البيضاء صفحة الفايسبوك

ك.ج


تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")