آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

مارتن و كارل: فنجان قهوة

مارتن: كارل، لماذا تشرب القهوة؟ أقصد، إنك تشربها كل يوم وفي اليوم أكثر من مرة... إنك مدمن عليها وأريد أن أعرف الغاية من وجود كل هذه الفناجين خاصة ذلك الفنجان الذي نحت عليه عبارة " اعرف نفسك بنفسك"
كارل: (ساخرا) فقط أخبرني ما بالك هذا الصباح! هل تريد أن تبحث عن دليل جديد يجعلك تغير عصير البرتقال بالقهوة؟
مارتن: هنالك مئة ألف دليل لشرب القهوة، لكنني أريد أن أفهم علاقتك بها، أنت لم تحدثني أبدا عن تمثلك النفسي والفكري تجاه فناجين القهوة...
كارل: أنا أعرفني كلما ارتشفت فنجانا من القهوة، هل تعرف سحر فناجين القهوة؟
مارتن: أجل! هنالك من العرافين من يستعملون فنجان القهوة كوسيلة لتنبؤ مستقبل الفرد واكتشاف ما يجري وسيجري في حياته...
كارل: أجل، لكن سحري مختلف... إنه سحر بسيط في الحقيقة! سحر المتعة...
مارتن: كيف؟
كارل: القصة تبدأ أولا من لحظة التفكير في أنني بحاجة لفنجان قهوة، ثم بعدها، لحظة إعدادها، وفي النهاية، لحظة الجلوس على الكرسي وارتشافها رشفة برشفة حتى ينتهي الفنجان، فأجد في قاعه تلك العبارة التي تحدثت عنها " اعرف نفسك بنفسك"
مارتن: فلأخمن... و أنت تشرب القهوة تعيش سحر التنبؤ أو لأقل تعيش مستقبلا متوقعا مصدره أفكار كثيرة مبعثرة، كأن هنالك ضوضاء أو لأقل ضجيج في البحث عن الهوية و الاستقرار، و هذا الضجيج ينتهي بانتهاء القهوة فتظهر في القاع تلك العبارة لتخلق الهدوء و تقول لك " هل استمتعت بي يا كارل؟ هل عشت ضجة الشك والبحث؟ فلتسترح الآن فلا أحد يعرفك غير نفسك وما أنا إلا لحظات ممتعة تجري بك في عالم الضجة لتخرج بك منه بنفس هادئ يجعلك تنتقل من استراحة قهوة إلى نشاط إبداعي جديد..."
كارل: أنت عبرت عن الرحلة التي أعيش والقهوة بفن جميل...
مارتن: أجل! لأن هذا ما أعيش بالضبط وعصير البرتقال! رحلة الانتقال من نشاط إلى نشاط... إن ارتشاف فنجان قهوة أو كأس عصير من البرتقال ليس إلا انتقالا زمكانيا من هنا إلى هنالك، من ماذا فعلت الآن إلى ماذا يجب أن أفعل بعد الآن...
كارل: صحيح... وإن استعملت بعضا من عباراتي، سوف أقول " ارتشاف فنجان القهوة ليس مجرد ارتشاف قهوة إنه ارتشاف الماضي، الاستمتاع بمضيه وأخذ نفس عميق للترحيب بالقادم من حياتي أنشطتها.."
ك.ج 

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")