آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

مارتن و كارل: الموسيقى

- كارل: الموسيقى تجعلني أتنفس بشكل جيد، بل إنها الوحيدة التي بها أستطيع أن أقول إنني سعيد، هل تعلم يا مارتن؟ حينما أعزف على البيانو أو الجيتار أختفي بل إنني أموت، أموت حقا يا مارتن!
- مارتن: أنت لا تحتاج للوصف يا كارل، فأي إنسان على وجه الأرض يعيش ما تعيش والموسيقى، إنها لغة الروح، باب الفرح ونافذة السكينة، والفن بصفة عامة يا صديقي يجعل الفرد مرتاح البال هنيئا يتنفس الهدوء والرخاء.
- كارل: صحيح أن الموسيقى للجميع لكنها ليست لأي أحد رغم ذلك.
- مارتن: ماذا تقصد؟
- كارل: هي للجميع لأنها عنصر ثقافي، فلكل مجتمع نمط موسيقي يعبر به وفيه عن هويته وتاريخه، أحلامه ومعاناته، إن الموسيقى ثقافة قبل كل شيء، فلا حرج أن ترى شخصا يقول لك أحب الإنصات لهذه الموسيقى لأنني أفتخر بعرقي أو بأرضي ووطني، إنها ليست لغة الروح فقط، إنها لغة الانتماء العضوي للمجتمع. بيد أنها ليست لأحد، وهنا الشق الجوهري والغريب في الموسيقى، اكتشافها بعيدا عن استهلاكها، تعلمها من جديد أو بالأحرى بناء الهوية الموسيقية ونسجها مع النفسية والفكر الفرداني.
- مارتن: أرى ما ترمي إليه، وأحببت كثيرا كيف فرقت بين موسيقى الجميع وموسيقى اللا أحد. وأعلم أنك حينما كنت تصفها في البداية كنت تعبر بطلاقة عن هويتك الموسيقية وكيف تجعلك متوازنا في عز صراع النفسية والفكر الفرداني الذي تعيشه كل يوم.
- كارل: أجل... الموسيقى أنا!
- مارتن: وأنا الموسيقى...
ك.ج

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")