آخر ما نشر كارل!

بين الله وسبينوزا

  هل يمكن أن نكتب الحقيقة ونحن سكارى؟ أم أن السكر مجرد اعتذار رخيص لأن نقول بعد ذلك: "لم أكن أنا من كتب، كان الكأس." لا أدري. والحقيقة أنني لا أثق كثيرًا في الذين يكتبون وهم واعون تمامًا أيضًا؛ فالوعي الكامل يبدو لي حالة مرضية أكثر منه فضيلة. لا بد أن يكون في الكاتب شيء مختل، شيء ناقص، شيء لم يُغلق بابه جيدًا، حتى يتسرب منه الكلام . هل يمكن أن تأتينا الحقيقة ونحن نعيش شكًا عميقًا في أننا كائنات جميلة أصلًا؟ أم أن الحقيقة، مثل موظف حكومي، ترفض أن تقابل أحدًا قبل أن يستكمل جميع الوثائق؟ أحيانًا أشعر أن الحقيقة لا تحب البشر، أو ربما تحب أن تتسلى بهم. تترك الفيلسوف يمضي نصف عمره يعرّفها، ثم تأتي طفلة لتسأل سؤالًا واحدًا فينهار البناء كله كما ينهار بيت من ورق أمام عطسة . لا أدري . لقد اعتدت أن أكون صريحًا في كتاباتي، أو هكذا أحب أن أصدق. لكن حتى هذه الجملة تستحق أن تُعامل بحذر؛ لأن الإنسان يستطيع أن يكذب على نفسه ببلاغة تفوق كذبه على الآخرين. كنت أظن أنني أكتب بشاعرية، ثم اكتشفت أن الشعر أحيانًا ليس إلا طريقة أنيقة لإخفاء ارتباكنا. نرتب الكلمات كما يرتب الناس أثاث البيت قبل ...

رسائل: الخيال المقدس

إن الإنسان يعيش بالخيال، أحيانا في الخيال ونادرا بغية في الخيال، فتاريخ الإنسان وتطوره يؤكدان وبلا شك أن منطقة الراحة التي يجد فيها الفرد ضالته، هويته والانتماء هو الخيال الذي يتعدى الخيال نفسه، إنه الخيال المقدس.
إن الخيال المقدس حالة وجدانية تربط الفرد بآماله، تحرسه من مخاوفه وترسم بسمة الحياة على ملامحه، تدفعه للحياة بفؤاد نبضه التفاؤل. يحدث هذا لأنه يؤمن بواقعية الخيال الذي يقدسه، بقوة يؤمن به إذا أصبح موضوعه موضوعا جماعيا، ممارسة جماعية وعقيدة تجعل الفرد والأغيار من حوله عضويا مرتبطين وهذا يحيلنا بشكل أو بآخر على قوة الأسطورة والخرافة من جهة وسلطة الدين من جهة أخرى.
بما أن الإنسان يبحث عن الراحة والسلام النفسي، يبحث عن الانتماء في معناه الجوهري، فإن الإيمان بخرافة، تمريس أسطورة أو الافتخار بالانتماء الديني لا يخلق أية مشكلة على مستوى حق العيش الحر، لكنه يخلق مشكلة كبيرة على مستوى غاية الخيال نفسه، فتقديس الخيال يرهن الإنسان بدور محدود لملكة الخيال كامن في ترتيب تراجيدي لعبث الحياة من حوله، غموضها وقساوتها وعدم قدرته على فهمها وأحيانا تقبل طبيعتها.
 إلا أن الخيال دوره واسع و حر لا يكمن فقط في تقديم تمثلات مقدسة للواقع و حول الواقع اتكالا على معاني و دلالات تجعل الفرد منفيا عن الواقع محبوسا في فكرة سماوية، بل يكمن دوره في ترتيب الفرد لأشكاله النفسية، و في تحرير ملاحظته العلمية من حالة الجمود و الوصاية إلى بناء تصور للواقع لا ينفي الفرد إلى منطقة راحة تراجيدية بل يرحب به فيه و يجعله حيا هنا و الآن، متواصلا ومتفاعلا مع نبض الحياة و مجراها، لا ميتا الآن و هنا، غائبا في تفاؤلِ أن يحيا في عالم آخر لا خريطة إليه سوى فكرة سماوية منبعها خيال مقدس و غالبا تكون عليه وصاية.
ك.ج


أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")