آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

صخرة في نهر العبث

أفرغ نفسه من نفسه حتى صار والفراغ معنى واحد، لكن الحقيقة أن الفراغ ليس فارغا... وذلك ما اكتشفه بعدما تهيأ له أن تحرر من كل الذكريات بل من كل العبارات والكلمات... قال: " كنت أعتقد أنه من السهل أن أنساني لكن الواقع أنني أصبحت أراني بوضوح، بل عملية النسيان هذه رتبت الماضي بشكل جيد، يجعلني أتألم وأعاني بشكل جيد..." لم يجد حلا إلا أن يتقبل نفسه و يكتب عنها نصا و يتخطى حرب النسيان و فقدان الذاكرة، بعد ساعات من الكتابة و التشطيب، قرر أن يترك بعض العبارات التي رأى فيها نوعا من التعبير الصحيح عن الهوية:
" لست إلا ذكرياتي وقساوة هذه الذكريات هي التي ترسم لي خطط حاضري وهذا الحاضر ليس إلا تهيئا لعينا للمستقبل وما المستقبل إلا وهما لا ينتهي لكن الذكريات هي منبعه وكل تلك الذكريات، ذكريات الحرب، ذكريات العنف، ذكريات الخسارة، ذكريات الضعف، ذكريات الحسرة، كلها ليست إلا آيات مقدسة كتبها الإله قبل أن أولد، كتبها ليسخر مني ويسخر من كل إنسان قرر أن يفرغ نفسه من نفسه ويرحل بعيدا نحو الصمت، حيث لا شيء يحمل معنى ..."
من الصعب اعتبار الذاكرة جوهرا للهوية، لكن تجربته جعلته يرى الأمر كذلك، جعلته يلعن الإله، بل يلعن نفسه ويرمي بها في وهم الزمن، ليصبح فيما بعد مجرد صخرة تتدحرج في نهر من العبث. غير أنه من العادي أن يتحول الأفراد إلى صخور ما دام العالم الذي يعيشون فيه، عالم حرب، عنف، خسارة، ضعف وحسرة.
ك.ج 

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")