آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

مارتن و كارل: حينما نموت، هل نسافر عبر الزمن؟

-         مارتن: حينما نموت؟ هل نسافر عبر الزمن؟
-         كارل: نسافر عبر الزمن؟  أسافر في موتي عبر الزمن؟ ولماذا لا يسافر جسدي معي؟ لماذا سيدفن جسدي وأنا أرحل بعيدا في الكون؟ وكيف أسافر عبر هذا الزمن؟ أسافر بلا جسد؟ أم أن القبر هو آلة سفر عبر الزمن؟ وإن كان كذلك! احفر قبري بعد موتي وستجد جسدي! ستجدني ميتا... نحن نموت في كل لحظة نحياها يا صديقي ونولد في كل لحظة نموت فيها أيضا. إن الموت والولادة، كالبداية والنهاية، شيء واحد.
-         مارتن: كيف شيء واحد؟
-         كارل: الضوء يسبق كل شيء! حينما ترى شيئا، أنت تراه في كليته، بدايته ونهايته، لكنك لا تدرك إلا جزءا محدودا في الزمن.... ونحن نحيا على هذه الأرض نحيا مؤطرين في مجال محدود، في الحقيقة تأطرنا للتأقلم مع هذا المجال. لكن الحقيقة، أنه حينما ولدنا، لم نولد، ولادتنا سبقتنا منذ زمن بعيد سحيق جدا، ونحن لن نموت، في الحقيقة نحن متنا منذ زمن بعيد سحيق جدا، كل ما نفعله الآن! هو أننا نبتعد من البداية ونقترب من النهاية في آن.
-         مارتن: يا للهاوية!
-         كارل: الهاوية جمال وكمال من الصعب جد إدراكه، نقول إن الكون فريد وله خالق عظيم، ومنا من يقص قصصا وحكايات ومنا من ارتمى في متعة عبث هذه الهاوية، ومنا من تأمل وانتظم معها وحاول أن يقترب من البداية والنهاية في آن..... ولكن في كل الحالات، حينما نموت، تموت هاويتنا وتولد من جديد، كهاوية الكل شيء تحيا إلى الأبد وتموت إلى الأبد.
-         مارتن: تجعلني دائما أرى الأمور بشكل مختلف، لذلك أحب محادثتك، أحبها لأنك تجعلني أرى الهاوية و بدورها تراني.  
ك.ج

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")