آخر ما نشر كارل!

الثامنة صباحا تقريبا

  المشهد الأول : الثامنة صباحا، تقريبا أخرج من المنزل، أغلق الباب وأتأكد أنني أحمل مفاتيحي وهاتفي وكل تلك الأشياء الصغيرة التي قد تجعل يوما كاملا سيئا إن نسيت واحدا منها، ثم أبدأ المشي نحو مقتطع الطرق، حيث أنتظر سيارة أجرة تقلني إلى العمل..   يبدو الأمر بسيطا وعاديا إلى درجة أنني أحيانا لا أتذكر كيف وصلت إلى هناك، كأن قدمي تعرفان الطريق أكثر مني، وكأن جسدي قرر منذ مدة أن يتكفل بهذه المهمة دون أن يستشيرني كل صباح . ولكن هناك الكثير من التفاصيل في هذا الطريق، تفاصيل صغيرة ربما لا تعني شيئا لأحد، ولكنني اعتدتها، وصرت أتوقع حدوثها، حتى إنني أحيانا أشعر بشيء غريب عندما لا تحدث . ولا أعرف لماذا، ربما لأن الإنسان يحتاج إلى أن يتأكد من أن العالم لم يتغير كثيرا أثناء نومه، وربما لأن العادات تمنحنا نوعا من الطمأنينة، حتى لو كانت عادات لا تخصنا . أول ما أصادفه هو ذلك الرجل الذي يبدو في الأربعينات من عمره، أو ربما أكبر بقليل . لا أعرف كيف يمكن أن أحدد عمر شخص أراه كل صباح دون أن أعرف اسمه، ولكنني أقنع نفسي بأنه في الأربعينات، وأن لديه حياة ما، ربما زوجة وأبناء، أو ربما يعيش وحيدا، ولا...

يوميات: القهوة و الرفيق

لا أتذكر متى بالضبط أصبحت رفيقا، لكنني أتذكر متى التقيت بالرفيق الذي جعلني أفهم أمورا في السياسة والاقتصاد لم تكن عندي دراية بها من قبل.
كان ذلك قبل سنوات، أيام المجاعة الفكرية، حينما كانت عواطفي تسافر بي من فندق لآخر لأكتشف الليل، المقاهي وشوارع مدن المغرب، ففي صباح من ربيع سنة 2015، ارتديت معطفي، نظفت حذائي، وضعت كتبا في محفظتي دون أن أنسى حاسوبي واتجهت للمحطة الطرقية بالقامرة ـ الرباط، حجزت مقعدا في حافلة اليمامة متجها إلى مدينة الرشيدية.  وصلت في صباح اليوم التالي، كان الجو مبكرا، الشمس لم تشرق بعد، بحثت عن أقرب مقهى، خصوصا تلك المقاهي التي تحتفل بفيروز أو أم كلثوم غناءهما قبل ضوضاء النهار، وفعلا وجدتها، جلست في ركن قرب النافذة، طلبت فنجان قهوة من النادل وبدأت كتابة ما يجول في خاطري في المذكرة. حل النهار، استيقظ الرفيق، تواصلنا ثم التقينا وعشنا يومنا سعداءً، فقد كان ذلك اليوم هو أول يوم نلتقي فيه غرباءً بعيدا عن القرية التي ولدنا في أحضانها وكبرنا أصدقاءً.
تلك السعادة التي عشناها لم ترتبط معانيها بالثقافة وحسن الضيافة والخطاب الاجتماعي السائد بين الأصحاب في المجتمع المغربي، بل كانت مرتبطة بشكل وطيد مع جو النقد، النقاش وتحليل الظواهر الاجتماعية، جو من الفكر جعلني أغذي مجاعتي الفكرية، جعلني أصبح مع المدة رفيقا وشابا رومنسيا في آن. تلك السعادة بيننا نمت، عاشت واستمرت، لا زالت تنمو، تعيش وتستمر.
مساء هذا اليوم التقينا في مقهى لقاءً يفوق المئة مرة. لم نناقش شيئا يخص الاقتصاد والسياسة أو العلم والفلسفة، كنت أستمتع بالاستماع لما عاشه من تجارب في القرية، فاليوم عاد منها. حكى لي أشياء غريبة، جعلتني بدون تردد أفتح مذكرتي وأكتب.. وفي الآتي ما لي حكىَ:
" ...في قريتنا، هنالك علاقة وطيدة بين التمثل الجماعي للوظيفة العمومية، خصوصا مهنة التعليم، وتغذية شخصية الشاب الذي نجح في مباراة التعليم، الشاب الذي أصبح معلما بدل طالب تتعلق عليه الأحلام كأنها آخر أحلام الإنسان في هذه الحياة... الشاب الذي أصبح فجأة رجلا، ذا قيمة وهيبة، محترما، ومُعتبرا حق الاعتبار.... لكن فقط لفترة وجيزة، تماما كأيام العرس، حيث الزوجان ملكُ وملكةْ ليوم أو يومان، وبعدها يصبحان مجرد زوجين كأي زوج وزوجة في عالم الأزواج. بعيدا عن قريتنا ببضع ساعات، القبائل تذبح أمام الحجرة الدراسية خروفا أو نعجة احتفاء بالمعلم الجديد الذي يعبر عن بركة الله، يصبح، دون علمه، وليا من أولياء الله والمدرسة تصبح ذلك اليوم بيتا من بيوت الله..."
ما حكى لي ليس غريبا عما أعرفه من أعراف وتقاليد وعادات في جنوب المغرب الشرقي، لكن ما أبهرني هو خطابه، كان يتحدث كطفل للتو عاد للبيت، يحكي لأمه مغامرة نهاره، تلك الطريقة التي كان بها يتحدث ويعبر، جعلتني أرى فيه الرفيق الذي يُخفي في باطنه نضالا ومعاناة من أجل التأقلم مع الواقع القاسي وفي الآن جعلتني أرى فيه طفلا صغيرا مرتاحا غير آبه بما يجري على نهر ثقافة الجنوب الشرقي، مستمتعا بذلك النمط من الحياة الذي يذكره بصباه: أياما كان فيها يرعى خياله بين السهول والهضاب... أياما كنت فيها أرعى خيالي بين السهول و الهضاب... ذلك النمط من الحياة الذي يذكرني بصباي، بطفل داخلي أصبح غريبا عني، بعيدا مني، شريدا يبحث عن متعة اختفت منذ سنوات.

ك.ج

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى