آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

محاولة استنطاق الحاجة


سألت الحاجة: "من أنت؟"

أجابت: " أنا؟ اسأل نفسك ماذا تحتاج و ستعرف من أنا!"

سألت نفسي: " ماذا تحتاجين يا نفسي؟"

أجابت: " أحتاج كل شيء يجعلني قوية و مستمرة..!"

سألتها: " ماهيّ هذه الأشياء بالضبط؟"

أجابت بعد تفكير طويل: " قدرتي على الوعي بمن أنا في الحقيقة، تواصلي الواضح مع الكون، الحب.."

سألتها مجددا:" كيف تستطيعين تحقيق كل هذا الحاجيات؟"

أجابتني: " أما قدرتي على الوعي بمن أنا فتكون بواسطة التأمل و التفكير و محاولة اكتشاف و فهم الحقيقة الخارجية، هذه الأخيرة التي أحققها بواسطة تواصلي مع الكون، و الكون فضاء واسع أكتشف فيه و به الحب."

" و ما هو الحب؟" سألتها متلهفا..

" إنه الذي يمكن أن يكون شيئا و لا شيئا في آن، هو الذي يمكن أن تراه في برهة و يختفي عنك للأبد و الذي لا يمكن أن تراه أبدا. إنه احتمال معقدُ أو صعب الاكتشاف، إن عشته فتلك تجربة لا مثيل لها، و إن لم تعشه فالحاجة إليه ستجعلك لا ترى إلا الحاجة إلى كل شيء، و إن رأيته لبرهة و اختفى عنك فأثره فيك سيبقى داخلك يصارع  رغبتك في عدم التوهم بأنه وهم، صراع لا يمكن تحسب نتيجته، فالحب يبقى كما اخبرتك احتمالا معقدا أ وصعب الاكتشاف!"  أجابت..
عدت للحاجة بكل الإجابات، أخبرتني بعد ذلك بأنها مظهر مادي لوجودي، أخبرتني أيضا بأنه من الجيد أن اعمل على تحقيق مسعى نفسي: أن أعرف من أنا، أتواصل مع الكون، أحاول اكتشاف الحب.

ك.ج

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")