آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

محاولة حوار مع الكون



كيف أستطيع التحدث مع الكون؟ كيف أستطيع محاورة الذي لا أستطيع تقييمه و تحديده،  أو على الأقل التأكد من أن خطابي سيصل إلى ما نسميه " الكون" أو " الكل شيء" ...؟

الأمر مستحيل! لكنني حاولت...  أول شيء قمت به  هو أنني هدأت حيث  أغلقت عيناي و عن طريق  هذا الفعل بدأت أدخل حالة السكون، بدأت أبحث في أغوار ذاتي عن قناة يمكنني بها التواصل مع "الكل شيء"...

هنالك الكثير من التساؤلات و الفرضيات و التمثلات  أردت اختبارها... ! بعد مرور لحظات من حالة السكينة، دخلت في مرحلة لا أعرف ماهيتها، لكنني تذكرت و استوعبت بسرعة أنها تسمى مرحلة التأمل... المرحلة التي تحرر العقل و الفكر من كل ما هو عاطفي و اجتماعي و ثقافي...

تساءلت بداية: من أنا؟ و حافظت على الهدوء و الصمت! لم أرد أن أجيب رغم أنني شعرت بنفسي مندفعا بشكل غريزي للإجابة! مرت لحظات.... و تساءلت: أين أنا؟ و حافظت كالعادة على الهدوء و الصمت! لم أرد أن أجيب رغم أنني شعرت بنفسي مندفعا بشكل غريزي للإجابة... مرت لحظات... و تساءلت: هل أنا في الطريق الصحيح للوصول إلى  إجاباتي المنشودة؟ حافظت على الهدوء و الصمت! لم أرد أن أجيب رغم أنني شعرت بنفسي مندفعا بشكل غريزي للإجابة.... مرت لحظات... شعرت بأن لا شيء يكترث لتساؤلاتي غير وعيي المستيقظ دائما ! المراقب دائما! الحاضر دائما.... فكرت أن أفتح عينايَ بل فكرت أن أذهب من هذا المكان المنعزل! و أبحث عن شخص ما و أحاوره فذلك أفضل بكثير من هذا الجنون!

لم أتصرف، حاولت أن أغيب! أن لا أطرح أي سؤال، بل أن لا أفكر البتة... فربما الحوار مع الكون لا يفترض أن يكون بهذه الطريقة " السلوكية" حيث الفعل و ردة الفعل...! شعرت بالتسامي! نوع ما من الغياب و الانسجام مع الجهل ( اللاـمعرفة)...  و في تلك اللحظة بدأت أستوعب ماهية السؤال....

إن سؤال من أنا هو سؤال أين أنا ! و سؤال أين أنا هو سؤال الطريقة التي يمكن بواسطتها أن أدرك العالم الخارجي من حولي! في آخر المطاف أنا بداخلي، و ما يوجد بداخلي يرتبط بكل ما هو خارجي... إنني صدى! جزء من رحلة الاكتشاف! استنتجت أن التأمل لن يصل بي إلى المنشود من التساؤلات، لن يقدم لي أجوبة معينة... إنه يعلمني درسا مهما، و هو الآتي:

 " إذا أردت أن تتحاور مع الكون فلا تحاول  أن تتحاور معه..."

ك.ج


أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")