آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

في الجَحِــــيمْ

"تقبل الواقع و تعايش معه" لا أعتقد بصحة هذا الرأي. من الممكن، ربما، أن نستبدله  بالآتي: " أن لا نخاف من الجحيم، أن لا نظهر عداوة تجاهه."

 إن واقعنا جحيم لا بد منه، على حد تعبير التاريخ إن استمعنا لخطابه الموضوعي، المستقل، فينا.

 إن الوعي الإنساني هو الذي يحدد مجرى التاريخ، يرسمه، يصنعه، يبنيه و ليس العكس، فكيف يمكن للموتى أو أشباه الموتى أن يعوا شيئا؟ أن يدركواالتاريخ؟ معنى الحياة و سؤال المشروع!

من المفروض، كما أرى، أن نتحدث عن الثورة على الواقع، تماشيه مع إرادتنا أو وعينا... ليس من الممكن، و أكيد هذا الأمر، أن نظهر العداوة للجحيم، فهو الأقوى، أن نعبر عن خوفنا منه، فهو الوحش الكاره للضعفاء، مالك حيواتهم.

لا يمكن للإنسان أن يكون حرا و سعيدا و مستقلا، هكذا، دون أي مقابل. إن العالم لم يتواجد كي يحقق ازدهار الذوات، كي يضمن الاستقرار لكل فرد، لم يتطور كي يمنح لكل إنسان فرصته الغنية عن التعبير في أن يبدع و يحب و يشعر بالسلام و السكينة، فوجود الإنسان و مصيره يبدأ و ينتهي من وعيه.

عالمنا واقع حرب وعنف، رغبة شجعة لموت الآخر، لامتلاكه، لقد ولد كل إنسان في هذا العالم و داخله وحش كاره للضعفاء، مالك حيوات الضعفاء، ولد كل إنسان و بداخله جحيم، الجحيم، فلا يجب أن نخاف من الواقع: أن نخاف من أنفسنا.
ك.ج

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")