آخر ما نشر كارل!

إلى الغد بقلب متعب

سقطت الأقنعة يا حكيم، فكفى من الاختباء خلف الكلمات، وكفى من قول: أنا بخير حين تعرف أنك لست كذلك . أنت حزين، وفي صدرك ليلٌ طال أكثر مما ينبغي، والناس تمرّ بقربك ولا ترى كل هذا الضجيج في داخلك . تبتسم أحيانًا، تتكلم، تمضي بين الوجوه كأن شيئًا لم يحدث، ثم تعود إلى وحدتك فتسقط منك كل الحيل . وماذا بعد يا حكيم؟ ستبقى تحرس بابًا تعرف أن أحدًا لن يطرقه؟ ستعيد الحكاية كل ليلة علّ نهايتها تتغير؟ يا عزيزي، بعض النهايات لا تتغير . من رحل، رحل، وما انكسر لن يعود دائمًا كما كان . ونورة لن تعود . قلها هذه المرة دون أن تهرب منها، دون أن تبحث في الذكريات عن طريق يعيدك إليها . نورة لن تعود، لكن هذا لا يعني أن عليك أن ترحل معها . اترك لها مكانها في قلبك، لا تمحها، ولا تجعلها كل القلب . فالذكريات جميلة أحيانًا، لكنها بيت لا يصلح للسكن إلى الأبد . لقد أحببت، وخسرت، وتألمت بما يكفي لتعرف أن بعض الأشياء لا ينقذها الانتظار . فابكِ إن احتجت، لكن لا تجعل الدموع وطنًا . واحزن، لكن لا تجعل الحزن اسمك . لقد مضى ما مضى يا حكيم، ولا يطلب منك الغد أن تنسى، ب...

اعتراف رجل معاصر: قصتان قصيرتان جدا

الاغتراب
حلَ الصباح و أنشدت العصافير فصاح الديك، توا عم الصمت في المدينة. الجميع نائم و لا يتمشى في الشوارع سوى قطط الصباح المُغتربة ، و كقط مغترب متسكعا الأزقة أتسكع بين الأفكار ، هو يبحث عن قوت الصباح ليبدأ يومه نشطا قويا، و أنا أتسكع بين أفكاري باحثا عن واحدة تمدني السكينة، لأستطيع النوم، فلا طاقة عندي لمواجهة النهار. إن نهار مجموعة من القطط ليس خانقا كنهار مجتمع من الأفراد تربطهم عادات و قوانين و أفكار و عواطف...

فتحت نافذتي و أشعلت سيجارة و في الآن ظهر لي قط رمادي اللون يتمشى في الزنقة، يتبع الروائح و بقايا الطعام. فكرت في الأمر حتى تذكرت أنَني أيضا أتبع روائح الحياة و بقايا أطعمتها، أن عندي موعد في الساعة التاسعة صباحا، و يجب أن أكون في المقهى منتصف النهار، و أذهب بعد ذلك للمكتبة حتى يحل المساء.
كانت ليلة بيضاء، و رغم ذلك، لا بد من أن أكون اجتماعيا، فتلك هي طبيعتي كما للقط طبيعته.
استحممت كالاله غافرا لعقلي ذنوب أفكاره، و خرجت من المنزل شابا يافعا مليئا بالنشاط.
لن أعود للمنزل إلا حينما تنتشر الظلمة في أنحاء المدينة، و أعرف يقينا أنني سأفكر في مشكلة القط مجددا و ربما إلى الأبد.

التيه
كنت أتمشى شارد الذهن، حتى نسيت أنني أتمشى، نسيت إلى أين أنا ذاهب أو متى يجب أن أتوقف عن المشي، شردت جدا و حينما استيقظت من شرودي وجدت نفسي قطعت أميالا بل مسافات طويلة جدا، لقد اعتبرني كل من لاقاني أحمقا أو مجنونا... 

عبرت حدود الدول دون أن يكترث لي أحد. بخلاصة وجدت نفسي في أقصى جنوب القارة الإفريقية: أمامي المحيط و ورائي قارة كاملة. و في ماذا كنت شاردا أصلا؟ الحقيقة، لقد ذهب عقلي بعيدا حتى اعتقد أنني ميت و بلا أبعاد... صرت آنذاك مجنونا و أحمقا، تقبلت الأمر ورميت بنفسي في المحيط. 
و منذ ذلك الحين نسيت كل شيء..ربما أكلني قرش أو ربما مت غرقا، أو ربما نجوت و أنا أعيش حياة أخرى في مكان ما...
لا أحد يدري فكل شيء ممكن، و لا يمكن التحكم في ما يستطيع الوعي القيام به إن حصل و تمرد على تمثلاتك لنفسك.
ك.ج

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى