خبر… ثم فراغ

 لطالما استوقفتني عادة صغيرة، تكاد تبدو بلا معنى، لكنها تتكرر بإصرار خفي. أجد نفسي أفتح يوتيوب، وأكتب في خانة البحث: “جرائد إلكترونية مغربية”، ثم أتنقل من جريدة إلى أخرى، كأنني أتتبع خيطًا غير مرئي يقودني. بين هسبريس وشوف تيفي ونيشان وغيرها، أجد نفسي أغوص في أخبار متشابهة ومختلفة، أخبار تدور في فلك واحد: الجدل، الشأن العام، ما يشغل الناس ويستفزهم.

ومع تكرار هذه العادة، اكتشفت شيئًا آخر: لكل مدينة تقريبًا جريدتها، صوتها الخاص، طريقتها في سرد الحكاية. كأن المغرب يتكلم بلغات صغيرة متعددة، وأنا أحاول أن أستمع لكل تلك الهمسات دفعة واحدة.

لكن ما يحيرني حقًا، ليس الفعل في حد ذاته، بل الدافع الكامن خلفه. أنا أعيش منعزلًا، في قلب مدينة لا أختلط بها إلا بالقدر الضروري. لا أحب الأخبار، ولا أحتمل ضجيجها، ولا صوت التلفاز وهو يقتحم صباحي حين أريد فقط أن أرتشف قهوتي بهدوء وأراقب الضوء وهو يتسلل. ولا أجد نفسي أيضًا في نقاشات المقاهي أو جلسات العائلة حين تتحول إلى تبادل أخبار لا تمسّ شيئًا في داخلي.

ومع ذلك، أعود. أعود بإرادتي، أو ربما بشيء يشبه اللاوعي. أكتب كلمات في البحث دون تخطيط: “جيل التسعينات في المغرب”، أو غيرها من العناوين، فتنهال عليّ فيديوهات، لقطات، ذكريات… شيء ما يشدني إلى زمن أشعر أنني انفصلت عنه، أو إلى واقع لا أعيشه بشكل مباشر.

الغريب أنني، في كل مرة، أكون حاضرًا وغائبا في آن واحد. أرى نفسي وأنا أقوم بهذا الفعل، كأنني أراقب ذاتي من زاوية أخرى. أدرك أنني يجب أن أتوقف، لكن الإدراك لا يكفي. كأن هناك حاجة داخلية تُصرّ على أن تُشبَع، ولو لبضع دقائق.

ربما ليس الأمر حبًا في الأخبار، بل تعاطفًا مع الناس. حين أشاهد حالة اجتماعية، لا أكتفي بما يُعرض، بل أحاول أن أرى ما وراءه: الخلفيات، التناقضات، ما لم يُقل. أحيانًا أشعر بنوع من النشوة حين أكتشف أن خبرًا ما مضلل، وكأنني انتصرت في لعبة خفية. وأحيانًا أخرى، يثقلني الحزن حين يتبين أن ما رأيته حقيقي، وأن الألم الذي لمسته ليس مجرد سرد.

لا أعرف إن كان هذا الدافع نابعًا من فضول، أم من حاجة للارتباط بالعالم دون الانخراط فيه، أم هو مجرد أثر من آثار هذا العصر الذي يجعل الهاتف امتدادًا للحواس. ربما هو كل ذلك معًا.

كل ما أعرفه أنني، في كل مرة، أصل إلى نفس النقطة: وعي خافت يقول لي إن عليّ أن أتوقف… لكنني، رغم ذلك، أعود.

ك.ج


تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")