المشاركات

عرض المشاركات من أكتوبر, 2025

تمارين في الحرية

  مع كل يومٍ جديد، أشعر أنني أتعلم من الحياة أكثر مما كنت أظن، لكنّها دروس لا تُشبه التعليم القديم، لا تُلقَّن من الخارج بل تتكوَّن في الداخل، كأنها تُكتَب في الصمت، حين يتوقّف المرء عن الركض ويبدأ بالإنصات . أكتشف أن الحياة لم تتغيّر يومًا، وأنها ليست غامضة كما توهّمت، بل أنا من تغيّرت، أنا من ابتعدت عنها، وانسحبت من دفئها دون أن أدرك . كأنني كنت أعيش على ضفّةٍ بعيدةٍ منها، أراقبها بعين ناقدةٍ لا بعينٍ عاشقة، أفتّش فيها عن المعنى بدل أن أعيشه، أبحث عن اليقين بدل أن أختبره . أحيانًا أقول لنفسي: لم تهرب الحياة منّي، بل أنا من هربتُ منها. ركضتُ خلف أفكارٍ مجرّدةٍ، تصوّراتٍ مثاليةٍ عن الكمال والصفاء، وظننت أن الحقيقة تُوجد في البُعد، في الانعزال، في الهروب من «العادي ». لكنّ العادي كان هو الحياة نفسها، وكان عليّ أن أتعلم أن البساطة ليست ضد العمق، بل طريقٌ إليه . كم من مرة قرأت كتبًا تتحدّث عن الوعي والحرية والذات، وكنت أظن أنني أفهمها! واليوم فقط أدرك أن الفهم لا يتحقق بالقراءة، بل بالعبور: أن تمشي وسط الحياة، أن تتألم وتخطئ وتضيع وتنهض، عندها فقط تبدأ بالمعرفة الحقيقية . ...

احتجاج بلا بوصلة

  إنني كثيرًا ما أتساءل: أيّ عالم هذا الذي نعيش فيه؟ عالم يبدو وكأنه بُني على أساسٍ من الوهم، حيث الحقيقة ليست سوى نسخة مصطنعة، صاغها أصحاب النفوذ بعناية ليبقى الناس تحت قبضتهم. الحقيقة هنا لم تعد بحثًا عن معرفة أو قيمة، بل صارت أداة للهيمنة. أشعر أنني أمام مسرح ضخم، تُوزَّع فيه الأدوار على الشعوب، بينما النص الأصلي مكتوب في مكان آخر لا نراه . في هذا المسرح، يظهر الشباب، بحشودهم، بأصواتهم العالية، بأجسادهم المتدفقة في الشوارع. لكن السؤال الذي لا يفارقني: ماذا يريدون حقًا؟ هل هو تغيير حقيقي للبنية الفاسدة التي يعيشون تحتها، أم مجرد صرخة لإثبات الوجود أمام عالم لا يسمعهم؟ غوستاف لوبون، قبل أكثر من قرن، حذّر من قوة الجماهير حين تتحوّل إلى عقل جمعي فاقد للوعي الفردي. الجماهير قد تُبدع في خلق طاقة للتغيير، لكنها في الوقت نفسه قد تتحوّل إلى أداة هدم لا تدرك ما تفعل . إنني أشعر بالرهبة وأنا أرى الشعارات تُرفع باسم الحرية والعدالة، ثم تنقلب في لحظة إلى تخريب وتكسير. لا يمكن أن يكون التغيير بهذه الطريقة، فالتاريخ يعلمنا أن الخراب لا يلد سوى خرابًا أكبر. الثورة الحقيقية لا تعني أن نحرق م...

حبة سكر على رصيف الوجود

  تتشابك الأفكار في رأسي كما تتشابك خيوط الليل مع الفجر؛ لا أعرف متى تنتهي إحداها لتبدأ الأخرى، ولا أجد فاصلًا بين الصخب والصمت. كأنني أقف وسط طرقان متقاطعة، كل واحدة منها تلمح لي بظلّها ثم تخفي وجهها. أحيانًا أشعر أنني أعيش داخل زحام من مرايا، كل واحدة تعكس صورتي، لكن لا واحدة منها تكشف لي حقيقة ملامحي .   ولم تكن وحدها أسئلة الفكر هي ما أثقلني، بل كانت تلك العاطفة الإنسانية التي تجري في داخلي كأنهار لا تهدأ؛ تصبّ في روحي ولا تمنحها الراحة، تُفيض عليّ بالحنين والقلق معًا، حتى غدوتُ غريبًا في مدينتي الداخلية، غريبًا في وطن القلب . لقد كتبت كثيرًا عن هذا، كتبت حتى صارت الكلمات تشبه صدى أسمعه في كهف قديم. أكتب عن الخلاص كأنني أطارد طيفًا، كلما اقتربت منه، ابتعد عني أكثر. بحثت عنه في الكتب المصفوفة كجنود صامتين، وفي النقاشات التي تُنهك الحناجر وتترك الصمت معلّقًا، وفي السفر حين كنت أظن أن تغيير المكان يعني تغيير المعنى، وفي التأمل حين أغمضت عيني بحثًا عن نور لم يأتِ، وحتى في الأخطاء والتهور والجرأة. ومع ذلك، بعد أكثر من عشر سنوات، ما زلتُ أجد نفسي في الدائرة ذاتها؛ كأن الزمن ...