المشاركات

عرض المشاركات من مارس, 2026

رجل من زمنين

  كنت جالسا بجانب أختي و أمي، و كان المساء هادئا، ضوء أصفر خفيف يملأ الغرفة، و رائحة الشاي تتصاعد ببطء، و كنا نتبادل أطراف الحديث و نضحك على تفاصيل صغيرة ربما لو حكاها أحد لغيرنا لما بدت مهمة، لكننا كنا نعيشها بصدق ... و كان الحديث يدور حول ما حدث صباحا، ذلك الصباح الذي بدأت فيه الحكاية كلها . استيقظت مبكرا، و كان في داخلي شعور غريب، ليس حماسا فقط، بل شيء يشبه النداء ... نداء بعيد، كأن أحدا من زمن آخر يهمس لي : لا تنس من أنت . ذهبت إلى أبي و قلت له ببساطة إنني أريد أن أشتري الزي التقليدي الذي كان يلبسه أجدادنا، أريد جلبابا حقيقيا، و رزة أمازيغية، و بلغة جلدية كما كانوا يفعلون ... نظر إلي باستغراب، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة فيها شيء من الحنين و شيء من الاعتراض . قال لي إن تلك الأيام كانت صعبة، و أن اللباس لم يكن اختيارا بل واقعا، و أنه عاش تلك المرحلة بكل تفاصيلها، و لا يريد لي أن أعيشها أو أعود إليها، ربما كان يرى في الأمر رجوعا إلى الوراء، أو ربما كان يخاف أن أختار طريقا يشبه التعب الذي عرفه هو . لكنني لم أكن أبحث عن التعب، و لا عن الماضي كما هو، كنت أبحث عن رمزه فقط ... تشبثت بفكر...